منتديات عيت ارفاد التميمي
أهلاً وسهلاً بك عزيزي الزائر في منتديات عيت أرفاد التميمي .. تفضل بالدخول ان كنت عضواً وبالتسجيل ان لم يكن لديك حساب وذلك للحصول علي كامل المزايا ولمشاهدة المنتديات المخفية عن الزوار..
إعلانات المنتدي

الأخوة الزوار

سجل فوراً في منتديات عيت أرفاد التميمي لتنال احقية مشاهدة اخبار المنطقة ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في التميمي - اخبار المنطقة محجوبة عن الزوار

الأعضاء الكرام

الكلمة الطيبة صدقة والاحترام المتبادل تاج علي رؤوسكم وتذكروا قول الله عز وجل !! ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
المواضيع الأخيرة
» "بنغازي" ابرز ماجاء في المؤتمر الصحفي
اليوم في 6:02 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» داعش الإرهابي يعلن عن عملية نوعية
اليوم في 6:00 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» تم نقلهم الى المرج
اليوم في 5:55 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» ماتم الحصول عليه من ارهابى الشركسى
اليوم في 5:49 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» صنع الله ينفي وجدو مرتزقة أفارقة في الهلال النفطي
اليوم في 5:39 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» إجتمع رئيس الحكومة المؤقتة "عبدالله الثني"
اليوم في 5:33 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» 6 غارات جوية مكثفة على تمركزات ميليشيات الجضران
اليوم في 5:31 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» العافية بمدينة هون يستقبل عدد من الجرحي
اليوم في 5:26 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» تقدم القوات المسلحة العربية الليبية
اليوم في 5:24 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» شاهد قناه الكذب النبأ
اليوم في 5:22 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» إقاف عملية حجز المواعيد في منضومة حجز مواعيد استخراج جوازات السفر
اليوم في 11:02 am من طرف STAR

» التوزيعات النقدية لفروع المصارف التجارية بالمنطقة الشرقية للمصارف
اليوم في 10:12 am من طرف STAR

» هل تنوي زيارتها قريباً؟ إليك أفضل 10 مدن ملاهٍ في أميركا
اليوم في 9:47 am من طرف STAR

» الثني يعقد اجتماعًا لمناقشة الأحوال بمدينة درنة
اليوم في 9:32 am من طرف STAR

» بلدية طبرق تبحث علاج مشاكل تلوث المياه و الشواطىء بالمدينة
اليوم في 9:31 am من طرف STAR

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم


"رسائل من برقة" بقلم المؤرخ الراحل د. نقولا زيادة الجزء 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

"رسائل من برقة" بقلم المؤرخ الراحل د. نقولا زيادة الجزء 1

مُساهمة من طرف dude333 في 2012-12-09, 11:50 pm




كان نقولا زيادة حاضراً في بنغازي يوم أعلنت برقة استقلالها في الأول من يونيو عام 1949، ومن هناك وصف الحياة السائدة فيها، ودوّن ملاحظاته وانطباعاته عن البلاد وأهلها. وفور رجوعه من برقة ألف كتاباً عنها سماه "الدولة العربية الثامنة"، وذلك قبل أن تصبح برقة جزءاً من "المملكة الليبية المتحدة" باتحادها مع ولايتي طرابلس وفزان عام 1951.

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة
الجزء الاول

21/5/1949
****************

عزيزتي مرغريت
هؤلاء المساكين، كما تعرفين، ينشئون شيئاً من لا شيء. لقد حملهم الإيطاليون على الجهل تسعة وعشرين سنة، لذلك فمهما جاء منهم، فهو خير كبير. إن المعلم كان يُدخل الطلاب إلى الصفوف بعدّ منظم، وكان الطلاب، وهم حفاة، يرفعون أقدامهم ويضعونها بترتيب يحمل على الإعجاب.
كان اتجاهنا من بنغازي إلى توكرة شرقاً. لكن بعد خروجنا من توكرة اتجهنا جنوباً، واتجهنا نحو الجبل الأخضر. وكان أول ما لفت نظري إلى أننا بدأنا نتسلق (نصعد) أن السيارة، عفواً الباص، خفف من سيره. ثم فاجأتنا في أول الطريق لوحة كبيرة كتب عليها Tocra Pass Steep road. ممر توكرة طريق صعب. والتَوَت الطريق، وتبعها الباص متعبا، فليس في هذه البلاد إلا سيارات متعبة. وانتهى هذا السهل الأملس تقريباً، وأخذت أطراف الأودية تبدو على اليمين وعلى الشمال. وبدت بعض الأنجم والأشجار الصغيرة، مثل البطم والخروب القزم على الجانبين، ولم تلبث أن ظهرت بعض صنوبرات من الصنوبر الإفريقي. ولكن هذه الأودية تبدو طفلة إذا قوبلت بأودية لبنان، وهذه الجبال تبدو قزمة إذا قورنت بجباله. أما ما يكسوها من أنجم وأشجار فلا يزيد عن قليل منها مبعثرٍ هنا وهناك.
وانتهينا من ممر توكرة، فإذا بنا على أعالي الجبل الأخضر، من جهته الشمالية. وأود أن ألفت نظرك إلى شيء هام، وهو أن الجبل الأخضر ليس مجموعة من الجبال أو من سلاسل الجبال، ولكنه هضبة متسعة. إنه سهل عال في أكثر أجزائه، ويمتد عشرات الكيلومترات على هذا الشكل. فمن انتهاء الممر إلى براكه، إلى المرج، إلى الرزّا، لا يعدو ذلك. ثم يعود إلى مثل هذا بعد البَيْضاء أو سيدي رافِع، حتى نطلّ على دَرْنَة وسهلها. أمّا بين الرزّا والبَيْضاء فثمة مجموعة من الأودية الصغيرة، تأتي من الهضبة، وتلتقي معاً في وادي الكوف (الكهوف)، الذي هو أشبه ما يكون بوادي الزرقا، بين عمان وجرش، لكنه خال من الماء، ولا يمتلئ إلا في الشتاء، في فصل المطر. على أنه، وهو عميق وجميل وخطر، لا يبلغ في هذه كلها ما تبلغه أودية بلادنا ولعل مطلع باب الواد، من الرملة إلى القدس، هو أقرب الأماكن إليه. وفي هذه المنطقة يبدو شجر السرو، ويكثر نسبيا شجر الصنوبر.
وهذا السهل المرتفع، الجبل الأخضر، خصب. فتربته حمراء أو زهرية خفيفة، وهي من النوع الصالح للقمح والشعير والقثاء والبطيخ. وحيث تصبح التربة خليطاً من الكلسية والحمراء تقوم الكروم. وهذا واضح في الأرض. ولكن حتى هنا القسم المستغل منه قليل. ذلك أن البرقاويين عددهم قليل نسبياً. أضيفي إلى ذلك أن السكان يغلب عليهم بعدُ حب التنقل. فالبداوة أصيلة في نفوسهم، لذلك فهم يزرعون مرة ويهملون أخرى.
وفي هذا الجبل الأخضر يرى السائر آثار هذه الأبنية المنظمة التي أقامها الإيطاليون في هذ البلاد لأبناء جنسهم، بعد أن طردوا العرب منها وأقْصوهم عنها إلى جهة خليج سِرتَه (سِرْت) الصحراوي غرباً. أنت ترينها على شكلين. فالأول هو قرى كبيرة تحتوي كل مجموعة منها على كل ما يلزم للقرية الكبيرة – مزارع، سوق، كنيسة، مركز للإدارة، دور للسكن. وحول هذه كلها بقايا الحدائق الغناء، التي أهمل أكثرها أيام الحرب، ولم يُصلَح منها إلا القليل، حتى لقد سرني كثيراً أن لمحت حديقة جميلة معتنى بها في الرزاز. والنوع الثاني هو دُورُ مزارعٍ فقط. وهذه تقوم على جانبي الطريق، على أبعاد منظمة، وكل دار تكفي لعائلتين، وأمامها وخلفها وعلى جانبيها شجيرات، بقي منها قراميها (جذوعها) في الأرض، وتحيط بها قطعة واسعة من الأرض تصلح لزراعة الحبوب أو الأشجار المثمرة أو كليهما. وخلف هذه الدار أقيمت دار أخرى للحيوانات التابعة للمزرعة.
أقول آثار لهذه الدور،2 لأن الكثير منها خرب أو تلف أثناء الحرب، وكثير خرب أو تلف نتيجة للإهمال أو سوء الاستعمال. فهذه الدور الأنيقة يقيم فيها من لا يعرف قيمتها الآن، وخاصة المزارع المنفردة. وأبوابها، التي عريت من خشبها، تسدها حصر أو قطع من التنك، أو تنكات تُملأ تراباً، بدل الحجارة، وتُطّين في الأبواب والشبابيك المعراة. وبعض هذه الدور تقطنها الحيوانات، بينما يقيم أصحاب الحيوانات في خيم قريبة منها. وقد كان بجانبي في الباص مراقب التذاكر، وهو برقاوي، وكنت أسأله عن الأماكن والأشجار وغير ذلك، فقال لي: "إن بعض هذه الدور تأوي إليها الحيوانات، مثل تلك (وأشار إلى دار بالذات)، وأحواض البانيو فيها تستعمل لسقي الحيوانات. أما أصحابها فيعيشون في تلك الخيمة المضروبة قرب البناء."
أما في القرى والمدن الصغيرة، فالبيوت يسكنها أهل القرية والمدينة، والدكاكين يحتلها أصحاب الحوانيت. وهذه أكثر عمراناً من المزارع المنفردة. والحكومة تعتبرها أملاكاً للعدو، ويشرف عليها حارس لأملاك العدو، ويتقاضى من السكان أجرتها. وقد تكون أجرة الدار 40 أو 50 قرشاً في الشهر.
ويخيل إلي يا عزيزتي أن سياسة الإيطاليين كانت ذات وجهتين: مدينة للمستعمرين، وأخرى بدوية للسكان. وهؤلاء ظلوا بدواً، فلما رجعوا إلى أرضهم، عادوا بدواً. وسيمر عليهم وقت طويل إلى أن يصبحوا حضراً، وهم في طريق ذلك، ولكن بتدرج ودراية. ويرجع الفضل في ذلك إلى السياسة الحكيمة التي يتبعها سمو الأمير ورجاله، وإلى الإرشاد الذي تقدمه الإدارة البريطانية هنا.
أما من لم يرحل عن بلاده من السكان، فقد عمل الإيطاليون على "طلينته". وهذه الطلينة، التي قامت على الخراب، نجحت إلى درجة ما. فالسكان هؤلاء يتكلمون الإيطالية. وحتى عند تكلُّمِهم بالعربية يمزجون بها كلمات إيطالية. وقد بدا لي ذلك جلياً اليوم في هذه الساعات الثلاث التي قضيناها في الطريق، وقد كان هناك ركاب باصنا، وركاب باص آخر كان آتيا من درنة إلى بنغازي، وبعض سائقي تركّات (شاحنات) آخرين. وقد اجتمع الكل يتكلمون، ولاحظت حديثهم. فقد قال أحدهم، مثلاً، وهو يعلل انحراف سيارة الجيش، إن السائق انحرف بها شمالاً "من أجل السلڤاري اللبوليس" وسلڤاري الكلمة الإيطالية للنجاة.
ولكن ليس هذا هو الدليل الوحيد على نجاح الطلينة الجزئي. فهناك مثلاً انتشار أكل المعكرونة في هذه البلاد، ليس في بنغازي وحدها، ولكن في الأماكن الصغيرة في الطريق. ففي مطعم المرج والبيضاء والقبة (Berta)، عندما تسألين عن الأكل الموجود يقولون معكرونة، وشوربا، ثم يأتي دور الروستو وغيرها.
ومع أكل المعكرونة دخلت طريقة أكلها. فالبرقاوي يمسك الشوكة ويغزها بالمعكرونة، التي تترك حبلاً طويلة، ويلف الشوكة ويأكلها، وهو فلاح عادي. وقد رأيت أربعة من أهل البيضاء وخمسة من أهل درنة اليوم يأكلونها بهذه الطريقة.
وصنع القهوة تأثر البرقاويون فيه بالإيطاليين. ففي كثير من الأماكن تصنع القهوة بالفلتر، ويضاف إليها السكر، بدل أن تغلي على طريقتنا. وإن كان ثمة مقاهٍ لا تزال تغليها على طريقتنا طبعا.
وشيء آخر قبسه أهل هذه البلاد عن الإيطاليين هو تقديم السلطة – سلطة الخس والبندورة والبصل مع الخل – مع الطعام.
ولكن هذه الفائدة القليلة جاءت عفواً، وجاءت قسراً، وقد دفع الليبيون ثمنها غاليا. فأجلاهم الطليان، الأقليّة، عن دورهم ومنازلهم قسراً، ورموا بهم إلى الجوع والعطش. وجهّلهم الإيطاليون فمنعوا عنهم التعليم، إلا أقله. ومنعوا عنهم الكتب، حتى إن اقتناء الكتب كان أمراً يعاقب عليه في ذلك العهد البغيض. وحرموهم العمل في الصناعات مهما كان نوعها، ومن هنا لا تجدين في هذه البلاد عمالاً مهرة أو صناعّاً ما. فكل ما يحتاجه الناس يأتون به من الخارج. ودائرة الأشغال العامة تجد صعوبة كبيرة في الحصول على نجارين أو حدادين أو دهانين مهرة يمكنهم القيام بالأعمال الفنية، حتى البسيط منها.
لقد امتص الإيطاليون عصارة القوم، وتركوهم بلا نشاط ألبتّه. والذي نراه الآن من نهضة القوم إنما يرجع سببه إلى أن الشعب يتمتع بقوى كثيرة في جيله الجديد، لكنها بحاجة إلى توجيه.
وبعد أيتها العزيزة فقد اقترب الليل من منتصفه، وآن لي أن آوي إلى الفراش. لقد كنت أتمنى لو كنت معي اليوم، خاصة لما كنت أرى شيئاً جميلاً، لكن عندما كان "يطبّ" الباص في حفرة في الطريق، كنت أقول الحمد لله أن مرغريت جُنّبت هذا. وهذه الحفر كثيرة، وخاصة بين المرج ودرنه (225 ك.م.). ولما وصلت درنة تأكدت لو كنت راكبة مثلي، لما استطعت أن تجلسي على كرسي أو غيره، لأن مقعدك سيكون متعباً مضنياً. ومع ذلك، فليتك كنت معي، فأنا في شوق لك كبير. تصبحين على خير، ولك ولرائد قبلة كبيرة كبيرة جداً.


المرج 23/5/1949 ، (Barce)
****************
مساء الخير يا مرغريت،

لم أستطع أن أكتب لك مساء الأمس. ذلك أن مدير مدرسة النصر بدرنه (الأستاذ محمد جبريل) دعاني للعشاء. وكان هناك أخوه وهو قاضي صلح. وتناولنا العشاء في التاسعة، وانتهينا منه قبيل العاشرة، وجلسنا بعده نتحدث، وأنا مشوق إلى معرفة الأمور هنا، وهما مشوقان لمعرفة الكثير عن سورية ولبنان وأوروبة والحياة الفكرية والسياسية فيها. ولم ننتبه إلا والساعة الحادية عشرة والنصف، فلما عدت إلى الأوتيل، وجدتني متعباً فتركت الكتابة إلى الليلة.
وها أنا أكتب إليك من المرج، التي طالما سمعنا عنها إنها جميلة. وهي حقا جميلة، لكن هذا المكان لا يعدو كونه قرية كبيرة نظيفة.
ولكن لماذا أتحدث عن المرج الآن، أليس الأفضل أن أبدأ من صباح الأمس،(1) حتى تتسق الحوادث، وتتضح الصورة؟

(22/5/1949)
****************

وإذن فلنبدأ بزيارة مدرسة النُور بدرنة، وهي مدرسة ابتدائية للصبيان، فيها قرابة 500 تلميذ، و15 مدرساً. مديرها برقاوي، شأن جميع المدارس في هذه البلاد، فليس هناك مدير أجنبي أبداً. ويسمى مدير المدرسة هنا "الناظر"، على الطريقة المصرية. والمنهج المتبع في التعليم مصري بالمرة. لذلك يتعلم الطلاب هنا، مثلاً، تاريخ مصر وجغرافيتها، ولا يعرفون إلا القليل عن بلادهم. ويتعلمون، في الحساب مثلاًَ، الأوزان المصرية كالرطل المصري (وهو 144 درهماً) والقنطار المصري، مع أنهم يستعملون الكيلو في الوزن، وقنطارهم هو 100 كيلو. ويتعلمون عن الذراع المصري، مع أن كل المبيعات هنا بالمتر. وهكذا دواليك.
وصلت المدرسة بعيد الثامنة، ولكن حضرة الناظر لم يكن هناك. وعرفت أنه قلما يأتي قبل التاسعة إلا نادراً. وله وكيل. ووكيله رافقني في زيارة ثلاثة صفوف قبل أن يأتي حضرته. ولما جاء قدمت نفسي إليه، فكان أول ما قاله "كان من واجب الإدارة أن تعمم خبر تشريفكم" وسألته بعض الأسئلة عن المدرسة، ثم طلبت منه أن يدخلني صفاً فيه درس حساب. فقال: "إذا كان ذلك للزيارة فأهلاً وسهلاً، أما إذا كان للتفتيش، فالتفتيش من اختصاص حضرة مفتش المنطقة." ولم تعجبني صفاقته، فقلت له بلهجة بسيطة، ولكن حازمة "أنا مساعد مدير المعارف، وأنا أعرف ما لي وما علي، وأنا أقوم بما يقوم به مدير المعارف تماماً. ولنذهب إلى صف فيه درس حساب." فبلع ريقه وسار معي.
ورافقني الناظر في أنحاء المدرسة، فأراني بعض الأشغال اليدوية التي صنعها الطلاب، مع أنه لا يوجد عندهم معلم للأشغال. والواقع أنها جميلة بينها مقعد للطلاب (desk) وكرسي صغيران جميلان جداً. وهناك هيكل خشبي لراديو، سيارات شحن، وسيارة جيب عسكرية. وكلها مصنوعة من قطع الخشب والتنك.
وللمدرسة حديقة صغيرة، لكنها متقنة. كنت على وشك توديع حضرة الناظر، لما وجدته "يتواضع" ويفرك يديه، ويحدثني عن قضية معاشات المعلمين وزياداتهم وترقياتهم. وهي قضية كانت مقصودة من زيارتي، على أن لا أفاتح أنا المعلمين بها، ولكن أتركها لحين يفتحونها هم. وعندها وقفت مع حضرة الناظر، ومساعده معنا، وشرحت له سياسة الإدارة وأنظمتها المالية، وأنظمة الترقيات العامة في برقة. وأوضحت له أن هذا هو الذي سيتبع، ويجب أن يفهم المعلمون ذلك فهما صحيحاً، وكلفته أن يبلغهم القضية.
رافقني مساعد الناظر ليدلني على المدرستين الأخريين. وكانت مدرسة البنات موضع الزيارة الثانية.
ناظرة المدرسة برقاوية الأصل، ديبانية الأب سنوسية الأم. وقد تلقت تعليمها الثانوي في مصر، ثم التحقت بكلية الآداب، فنالت الليسانس باللغة الإنكليزية، وجاءت في أول هذا العام الدراسي ناظرة للمدرسة. وهي نشيطة، مهتمة ببنات بلدها (درنة)، وتصرف الكثير من وقتها في المدرسة. وبهذه المناسبة فبرقة كلها فيها ثلاث مدارس للبنات فقط، اثنتان في بنغازي، والثالثة في درنة. وقد استطاعت أن تجعل من التلميذات شيئاً جديداً. فالكل يلبس بشكل واحد – مريلة سوداء وأحذية بنية وكلسات بنية أيضاً. وقد منعتهن الناظرة من لبس الأساور والخلاخيل. والعادة في هذه البلاد أن الصغيرات يضعن في أيديهن أساور من الفضة يبلغ عرض الواحدة نحو خمسة سنتمترات، أما الخلاخيل فتكون أعرض قليلاً. كذلك منعتهن من لبس الخواتم والحلق وزينة الأنف، وهي الحلقة الفضية أو الذهبية التي توضع في ثقب في الأنف. وحرمت عليهن تحنية الأيدي. وفي الواقع لم أجد في المدرسة إلا أربع بنات يلبسن الحلق، وبنتاً واحدة يداها مخضبتان بالحناء. والبنات تتراوح أعمارهن من الخامسة إلى الثانية عشرة.
ولا شك أن هذه الخطة التي أتبعتها الناظرة فتحية عاشور مفيدة. وقد لقيت مقاومة من الناس، لكن لأنها بنت بلد، وتسير سافرة ولا تبالي، نجحت. وعندي أن أكبر أثر لعملها، بالنسبة لهؤلاء البنات الصغيرات، هو أن البنات ظهرن جميلات، مع أن البنات السائرات في الشارع لا يبدو عليهن الجمال لكثرة ما يحملن من وسائل الزينة.
وكانت حفلة اليوم السابق ناجحة. سمعت هذا من بعض المدرسين، وسمعته من الكابتن مكدونالد، وذكرته حضرة الناظرة. وأرتني بعض الأشغال اليدوية التي لم تبع، واشتريت غطاء طاولة صغير، تشجيعا للبنات، وخجلاً من الناظرة وراهبتين كانتا عندها تأتيان لأخذ درس إنكليزي منها.
وذهبت إلى المدرسة الثالثة، مدرسة النصر. ومديرها أقل برماً بالحياة من مدير النور، وأخف ظلاً، وأقل ادعاء من حضرة الناظرة خريجة كلية الآداب. وقد طفت ببعض الصفوف، كما طفت بمدرسة البنات من قبل. وحان موعد انصراف الطلاب. والمدارس في برقة كلها تقفل في الساعة الثانية عشرة أو الثانية عشرة والنصف صيفاً، أما شتاءً فبعد ذلك بساعة، ولا عمل بعد الظهر!
تغديت في مطعم "على كيفك". أكلت أولاً معكرونة. ثم طلبت منه بيضتين مقليتين، بدون أي شيء معهما. أتصدقين أن الجرسون جاء أولاً ثم جاء صاحب المطعم، ليتأكد كل بدوره إنني لم أطلب بطاطا مقلية معهما؟
واسترحت بعد الغداء في الأوتيل، وقرأت قليلاً، وحول الساعة الرابعة خرجت أتمشى في المدينة، على شاطئها، وفي أطرافها، وفي ساعتين ونصف الساعة أتممت طوافي بها كلها. ودرنة، كما قلت قبلاً، جميلة، فيها ماء كثير، لذلك فيها زهر وشجر، والبيوت الحديثة فيها، وهي مما بناه الإيطاليون، لم يتهدم أكثرها، وما تهدم أعيد إصلاحه، والقسم الوطني القديم منها صغير، وعلى كل فهو مطروش (مطليّ) مبيّض من الخارج. ويخترق المدينة واد يحمل اسمها، وهذا الوادي فيه نبعان كبيران الأول على بعد نحو خمسة كيلومترات من المدينة، والثاني على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من الأول. ولكن الماء الذي ينبثق من النبعين لا يسيل منه في الوادي شيء؛ ذلك لأن بعضه يروي سكان المدينة، وأكثره يروي بساتين الخضار التي تملأ جانبيه، والتي تزود السكان بحاجتهم منها.
ودرنة مدينة الموز في برقة. وفيها الكثير من التين والجميز والتوت والعنب. ولكن عنبها ليس جيداً، على ما قيل لي، لأنه عنب سقيٍ لا طعم له، والعنب الجبلي خير وألذ.


-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~

dude333
مشرف المنتدى السياسي
مشرف المنتدى السياسي

ذكر
عدد المشاركات : 5527
العمر : 47
رقم العضوية : 9508
قوة التقييم : 36
تاريخ التسجيل : 11/01/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى