منتديات عيت ارفاد التميمي
أهلاً وسهلاً بك عزيزي الزائر في منتديات عيت أرفاد التميمي .. تفضل بالدخول ان كنت عضواً وبالتسجيل ان لم يكن لديك حساب وذلك للحصول علي كامل المزايا ولمشاهدة المنتديات المخفية عن الزوار..
إعلانات المنتدي

الأخوة الزوار

سجل فوراً في منتديات عيت أرفاد التميمي لتنال احقية مشاهدة اخبار المنطقة ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في التميمي - اخبار المنطقة محجوبة عن الزوار

الأعضاء الكرام

الكلمة الطيبة صدقة والاحترام المتبادل تاج علي رؤوسكم وتذكروا قول الله عز وجل !! ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
المواضيع الأخيرة
»  قنوات كأس امم افريقيا 2017 + القنوات الناقلة
أمس في 10:37 am من طرف STAR

» مباريات الخميش 8/12/2016 والقنوات الناقلة
أمس في 9:39 am من طرف STAR

» مباريات الاربعاء 7/12/2016 والقنوات الناقلة
أمس في 9:38 am من طرف STAR

» مباريات الثلاثاء 6/12/2016 والقنوات الناقلة
أمس في 9:37 am من طرف STAR

» مباربات الاثنين 5/12/2016 والقنوات الناقلة
أمس في 9:36 am من طرف STAR

» Sky Sport News HD Deutschland مجانا على قمر استرا 19 شرقا
أمس في 9:34 am من طرف STAR

» قنوات الشرينج الناقلة للمباراة برشلونة وريال مدريد
أمس في 9:31 am من طرف STAR

» ليبيا الجميلة كما لم تشاهدها من قبل.. فيديو
أمس في 9:21 am من طرف STAR

» كيفية مشاهدة مباراة ريال مدريد وبرشلونة بث مباشر في الكلاسيكو على القنوات التلفزيونية المف
أمس في 9:19 am من طرف STAR

» مديرية أمن بنغازي تناشد «الموقتة» توفير أجهزة لكشف «المندسين»
أمس في 9:16 am من طرف STAR

» تكليف 'حمد مفتاح حمد الشلوي' عميدا لبلدية درنة
أمس في 9:16 am من طرف STAR

» خلفيات اندلاع الاشتباكات في مدينة طرابلس
أمس في 9:15 am من طرف STAR

» المركز الوطني للصحة الحيوانية بالبيضاء يحذر من ظهور انفلونزا الطيور في ليبيا
أمس في 9:15 am من طرف STAR

» الجيش يعزز دوره بـ «دعم روسي» و«النواب» ينخرط في حوار جزائري
أمس في 9:14 am من طرف STAR

» أرخص 8 مدن في العالم للعيش فيها.. بينهم دولة عربية
أمس في 9:13 am من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم


حال المؤمن عند ابتلاءه بالشدائد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حال المؤمن عند ابتلاءه بالشدائد

مُساهمة من طرف القديسة في 2010-05-31, 12:01 am

مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ به تعالي من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أما بعد :
أولاً : لا ولن يوجد إنسان بغير ابتلاء بالسراء والضراء بالحسنة (النعمة) والسيئة (المصيبة) ولن يخلو إنسان من الآلام البدنية والنفسية والقلبية :
فالمؤمن يُبتلي بها في الدنيا إبتداءاً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة حيث يستقر في النهاية (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) وتكون هذه الآلام (في مشواره الطويل من الكدح والكبد) سبباً في تذوقه وإحساسه بذروة النعيم
ومع ذلك فالتزامه بعهد الله (اتباع الرَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يحقق له وعد الله (بالتثبيت والعون والتخفيف والتوفيق وإنزال السكينة على قلبه فيزداد إيماناً وصبرا، بل ورضاً عن الله بل وشكراً لله عند المصيبة، حيث يعلم أنها بقدر الله لا مفر منها قيد أُنمله، وأن الله لا يُقدر لِلْمُؤْمِنِ إلا الخَيْرٌ: (إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا
لَهُ ) رواه مسلم ، ويعلم أن الله أعلم العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فلا يعترض على علم الله وحكمته، والآية من سورة التغابن تُبين أن كل ذلك يحصل بوعد الله للمؤمن الذي ألتزم بعهد الله . قال تعالي : (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، وفي حديث سيد الاستغفار : (وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ) رواه البخاري ، وعلى ذلك تمر البلية بالمؤمن دون أن يرتاب أو يضطرب أو تصدر منه الوساوس والشكوك في علم الله وحكمته ورحمته، ثم تكون له العاقبة ويفرح بالفوز الكبير،علاوة على تنعمه في دنياه بالحياة الطيبة، بصلة قلبه بالله . أما الكافر فينعم ابتداء بالمال والبنين والوجاهة والعلاقات والصحة والتمكين والإملاء، حيث يُملي الله لهم بهذا ليكيدهم ويستدرجهم وهم لا يشعرون حتى يموتوا على كفرهم ويصيروا في النهاية في دركات الجحيم يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ، قال تعالي : (فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)
على أن الكافر في الدنيا، وإن كان ظاهرة أنه يُنّعم ويُمّتع والدنيا جنته، إلا أن حقيقة أمره في الدنيا أنه في معيشة ضنك لعدم صلته بالله (فلا سكينة ولا طمأنينة ولا توكل ولا استعانة ولا ثقة ولا استسلام ولا رجاء ولا محبة لله) ولولا أن قلبه مغمور بشهواته ودنياه لملأ الدنيا صراخاً واستغاثة من شدة الآم المعيشة الضنك على قلبه وروحه، لأن الله تعالي هكذا خلق القلب والروح إن أتصل بالله أحياه الحياة الطبية، وإن أنقطع عن الله جعل الله له معيشة ضنكا، ولم يسمها حياة ـ بل معيشة ـ لأنها كحياة الأنعام ؛ بل أضل، ويوم يكشف عنه الغطاء ستأتيه أو ستظهر له هذه الآلام ويعرفها ويعرف سببها . أما وهو لا يزال في دنياه فكلما أفاق يبدأ يشعر بالألم في قلبه وروحه، وعندئذ يُسارع في تطيب عيشته بتغييب عقله بالخمر أو بالموسيقي الصاخبة والرقص المجنون أو بالأكل بنهم متصل أو بالانهماك في الأعمال والأشغال أو الاستغراق في مشاهدة الأفلام والإثارة و…. و… وغير ذلك كثير، ولعل هذه الآيات يتضح معناها على ضوء ما سبق .
(رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) ، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) ، (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) ، (فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) ، (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) ، هذه الآية : وإن كانت في المنافقين الذين يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فإن كثيراً ممن ينتسبون إلى الإسلام الآن يجهلون أكثر شرائعه وأحكامه وحقائقه، ولو أطّلعوا عليها لأنكروا كثير منها مما يُخالف أهواءهم وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم وقوانينهم الوضيعة ، وعلام الغيوب سبحانه يعلم ذلك عنهم ويعلم إعراضهم وانعدام رغبتهم في طلب علم الرسالة . قال تعالي (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) ، وقال (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) ؛ فهذا النوع من المسلمين قد يكون له نصيب من هذه الآية التي نزلت بشأن المنافقين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وفي نهاية هذا العنصر نعلم أنه لا مفر من الابتلاء بحال، وتسليط الظالمين على المؤمنين هو من الابتلاء ، قال تعالي(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ : إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) ؛ أي الذين هدى الله قلوبهم فعلموا أن ما أصابهم إنما هو بقدر الله وعلمه وحكمته وأنهم لا خلوص لهم منه ولا مفر، وأنهم مملوكون لله، عبيد ليس لهم حق الاعتراض وأنهم راجعون إلى الله ليُوفيّهم أجورهم وينتقم لهم ممن ظلمهم، وأن أعلى الأجر على الصبر إنما يكون على الصبر عند الصدمة الأولي ، وأن ما أصابهم إنما هو شئ من الخوف والجوع يعني بعض الخوف والجوع وليس لباس الجوع والخوف الذي يشتمل على الخائف الجائع كاشتمال اللباس للبدن لأنه انتقام كما ذكره تعالي في سورة النحل (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) .
ولنا في الصحابة أسوة حسنة لما رأوا الأحزاب من العرب قد تجمعوا حول المدينة للقضاء على الإسلام ورسوله والمؤمنين، في ظروف بالغة الشدة، جوع شديد ، حيث مكثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا إلا إِهَالَةٍ سَنِخَةٍ بشعة في الحلق، وحيث البرد القارص، وحيث الخوف الشديد على النساء والذرية وعلى مستقبل الإسلام ، وحيث المجهود المُتناهي في حفر الخندق ومعهم الرسول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يحفر، وقد ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع .
ومع ذلك ما كان منهم إلا أن قالوا (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) ، فالله لم يعدهم جنة في الدنيا ولم يعدهم في صراعهم مع أهل الباطل أن يكون رحلة تنزه ومرح، وإنما وعدهم أن يبتليهم ليعلم المجاهدين منهم والصابرين، وليُبليهم منه بلاء حسنا فيسددهم ويُوفقهم ثم يُثيبهم ويُعلي أجورهم بحسب درجة ابتلائهم . وفي الحديث عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " رواه أحمد ، حسن في صحيح الجامع برقم 5249 .
عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ" رواه الترمذي ، حسن في صحيح الجامع برقم 8177 .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِي مَالِهِ وَفِي وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ " رواه أحمد والترمذي ، صحيح برقم (5815) في صحيح الجامع ، ولما علم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن العيش في الدنيا لا يصفو ولا يبرد لأحد أبدا، قال في دعائه (وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ) رواه النسائي وأحمد ،صحيح في صحيح الجامع برقم 1301 .
والإيمان بالقدر هو الذي يُثمر الرضا بالقضاء، ويثمر الاعتماد على الله وحده، ويُثمر التوكل الصحيح، وتوحيد الخوف والرجاء، وهداية القلب كما مضى، والسكينة والثبات بلا جزع ولا تسخط وذلك هو جنة الدنيا لمن آمن بالقدر إيماناً حقا . وعموماً فالإيمان بالقدر هو نظام التوحيد، هو الخيط الذي ينتظم ويجمع كل مسائل التوحيد ويربطها برباط قوي كخيط العقد، فإذا كان خيط العقد والمسبحة يجمع الخرزات فكذلك التوحيد ومسائله ؛ من التوكل
و الخوف والرجاء وتوحيد الربوبية والرضا بالله رباً وتوحيد الإلهية والاستعانة والرضا والطاعة والمحبة والإيمان بالقدر وما شابه
ومن أشد البلاء تسلط الأعداء والظلمة، حيث يرتاب ضعيف الإيمان ويعود إلى أصله الظلوم الجهول، فيُسيئ الظن بربه ويحسن الظن بنفسه يقول أني هذا .. أنا على عهد الله (علماً وعملاً ويَمُن على الله بذلك ..) فلماذا لم يأتني وعد الله ( بالنصر على عدوى والانتقام منه وإذلاله لي، أو بالنجاة منه، وهكذا ..) فلا رضي الله عنه (ولو رضى لرضي الله عنه ولكن سخط فسخط الله عليه) ولا استراح من الغم والحزن والغيظ والهم والنكد وأمراض الأبدان والقلوب، فيا الله كم من الوساوس والمغاضبات والمعارضات والظنون الفاسدة في علم الله وحكمته وقدرته مما حدث من تسليط أمريكا على أفغانستان ومن تسليط اليهود على حماة المسجد الأقصى، ومن تسلط المجرمين على بلاد المسلمين ثم إحكام وتشديد قبضتهم وقهرهم على الملتزمين بدينهم لدرجة محاكمة من ساعد المقاومة ضد اليهود وغير ذلك كثير في كوسوفا والبوسنة وليبريا ،… ،… ،… ويصل البلاء بالمؤمنين في غزوة الأحزاب إلى الذروة فقال تعالي (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)
فكيف تصّرف سيدنا، وحبيبنا الأول، وأسوتنا الحسنة، بعد الله سبحانه لقد قال :" اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا.. وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا: فلا نمن على الله بأننا قد أبتُلينا وأوذينا وتحملنا الأذى في سبيله وما زلنا،ولا نتعتب ولا نتلوم على القدر الذي يأتي بما نكره، بل الله هو الذي يمن علينا أصلا بدخولنا تحت نعمة الإسلام الكبرى، التي أتت بمثل هذا البلاء . ثم يمن علينا أن هدانا ووفقنا لإحسان معاملته (بالصلاة) وإحسان معاملة الخلق (بالتصدق عليهم بالعلم والمال والجاه وتحمل أذاهم…)
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا: بل نعبدك في هذه المحنه بما تأمرنا، ولن نستطيع ذلك إلا بأن نستعينك وحدك، فندعوك أن تنزل السكينة علي قلوبنا فلا تتزلزل بطيش أو ريبة أو خوف أو ظن فاسد أو … وإذا قّدرت لنا لقاء العدو فثبت أقدامنا، حتى نكون على عهدك ما استطعنا، ونصبر حتى يأتينا وعدك ما استطعنا .
إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا: ونحن في هذا لسنا باغين ولا معتدين بل هم الذين اعتدوا علينا وإن أرادوا أن يفتنونا في أي شئ من ديننا أَبَيْنَا أَبَيْنَا أَبَيْنَا.
فهذه هي الأسوة لكل مُعتَدىَ عليه بظلم من خلال أقدار قدرت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكلها خير للمؤمن وليس ذلك إلا للمؤمن .
قال تعالي : (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) ، فما من مصيبة في النفس أو المال أو الأهل أو الديار إلا وهي مكتوبة مقّدرة قبل الخلق كما سبق، وذلك أمر لا يُتصور أن يقدر عليه جميع سكان الأرض والسماوات السبع لكنه على الله يسير .
ولذلك لما سُئل الأمام أحمد عن القدر قال : قدرة الله، وسُئل ابن عباس "رضى الله عنه" عن معنى قوله تعالي (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) قال : الذين يعلمون أن الله على كل شئ قدير .. والله تعالي بين لنا حكمة ذكره لكتابة مقادير الخلائق على هذا النحو فقال (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) فإذا فاتنا شئ مما تطمح إليه أنفسنا من جلب خير أو دفع شر ينبغي أن لا نأس ولا نحزن لعلمنا أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ ولابد من نفوذه ووقوعه فلا سبيل إلى دفعه، ومن ذلك ما يحدث لكل مظلوم مقهور من حبس أو أحكام جائرة وما شابه، وكذلك ينبغي ألا نفرح (فرح بطر وأشر واختيال وفخر) بما أتانا الله بفضله ومنته لا سيما إذا علمنا أن المصيبة مكتوبة فيه فكيف نفرح، بل ننشغل بشكر من أولي النعم ودفع النقم.
قال تعالي : (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) العافية رحمة من الله كالصحة والرزق والأولاد، فإذا نزع العافية من أحدنا وقُدّر له السجن ظلماً وقهراً من الظالمين فإن الإنسان (غير المؤمن الصابر) تسود الدنيا في وجهه وييأس من العافية أن تأتيه مرة أخرى فيجزع ويتسخط ويقلق ويغتم ولا يرجو الأجر من الله والفرج بعد الأجر، ولا يخطر بباله أن الله سيرد العافية عليه أو مثلها أو خيراً منها، كما لا يُقيم وزناً يُذكر لتكفير السيئات وكأنه ما عليه من سيئة فهو ظلوم جهول يستسلم لليأس، وينسى رحمة الله في العافية التي كان فيها بفضله ومنته سبحانه، فهو كفور (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ)
بخلاف المؤمن الصابر الذي يعلم حديث رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) رواه البخاري . كما يُعلم ما سبق ذكره، ويعلم أيضاً قوله تعالي (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ومن ثم فهذا المؤمن الصابر يجتهد في عمل الصالحات في الحالتين العافية والبلية ليستنزل السكينة من الله على قلبه فتراه راضياً مطمئناً متصلاً بالله يحيا حياة طيبة برغم البلاء الشديد، وإذا أذاقه الله العافية مرة أخري بعد البلاء (بالبراءة والخروج إلى بيته وأرزاقه وأهله بغير اعتقال) فإنه ينسب الفضل لله ويشكر نعمة الله ولا يفرح إلا الفرح الذي يحبه الله وهو الفرح بفضل الله وبرحمته، أي بالقرآن والإيمان، أي بفهم الدين والعمل به في جميع حالاته، أما الظلوم الجهول فيقول : ذهب السيئات عني، ولو قال أذهب الله السيئات عني لبرء وسلم . ولكنه يقول : (أيام الفقر والغم ولت ـ مالي أنا بالأخوة والسنية إيه اللي كان لحس مخي) ويفرح الفرح المذموم وهو فرح البطر والأشر، وهذا الظلوم الجهول لا يدري ما قد تحمله العافية الجديدة من ابتلاءات أخري ومصائب أشد بكثير مما كان فيه، كأن يُصاب في حادث أو خناقة فيفقد شيئا من جسده أو يفعل ذلك هو في أحد الناس فيغرم غرامة كبيرة ويدخل السجن جنائياً .. وكان في عافية من ذلك قبل أن يُفرج عنه .. وغير ذلك كثير من الأمثلة فلينظر كل منا في نفسه هل عنده شيء من اليأس والثغور والفرح والفخر . نعود إلى الإيمان بالقدر :ـ عندما تنعقد المحكمة يغتر الضعفاء فيظنون أن الأمر بيد القضاة وهم الذين يُحددون ما سيكون من أحكام بالحبس وأحكام بالبراءة، أو من يملك السلطة عليهم فيتخذون قرارات تُنَفذ على المتهمين ولا دخل فيها للقدر وبيان بطلان هذا الظن كما يلي :ـ يقول تعالي : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ويقول (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) ، فالقاضي يستعمل مخه وفؤاده وأعصابه وجسده للوصول إلى الإدارة الجازمة بالحكم على فلان بالحبس أو بالبراءة . ثم يوقع هذا الحكم ويستعمل سلطانه وقدرته في تنفيذ الحكم . الله سبحانه هو الذي خلق هذه الإرادة الجازمة في صدر القاضي، وخلقها بأسبابها في الإنسان، كما أنه تعالي خالق القدرة التي يتم بها التنفيذ، وإذن فكل ما يصدر عن القضاة ما هو إلا بخلق الله وقدره وكذلك جميع التصرفات من جميع البشر . وما تأجلت جلسة النطق بالأحكام إلا بخلق الله وقدره، فلماذا نخاف المخلوق ونرجوه، ولماذا نخاف القضاه ونرجوهم وهم لن يريدوا شيئا إلا والله تعالي هو الذي خلق إرادتهم هذه وقدرها أن تكون كذلك وإذا كنا قد استعملنا المحامين وغيرهم فلأنها أسباب مأمور بها ولن يكون إلا ما قدر الله .
يقول المؤمن : لا حول ولا قوة إلا بالله . فينبغي أن يكون صادقاً في قولها . فمعناها أنه لا تحول في أي شيء في الأرض والسماوات إلا بالله فإن أراد الله ذلك التحول حصل وكان وإلا فلا ، ومن ذلك التحول في أفكار الإنسان وعواطفه وما يدور في قلبه ، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يُقلبها كيف يشاء . ثم لا قوة يتم بها أي تحول إلا بالله عز وجل .. فلا حول ولا قوة بالمخلوق أبداً فيجب أن لا يتعلق القلب إلا بالله الذي لا حول ولا قوة إلا به سبحانه، ولا رب سواه فلا يكشف الضر غيره (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فلا يأتي بالبراءة والإفراج إلا الله كما لا يذهب بالحبس إلا هو سبحانه .
وفي غزوة أُحدّ بيّن الله عقيدة القدر بياناً شافياً، ومن ذلك قوله عند احتدام المعركة (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) لما قدّر الله ابتلاء المؤمنين ومعهم رسول الله صلي الله عليه وسلم صرف وجوههم عن الكفار وقدر لذلك أسبابا منها ظهور الغنائم لمن يريد الدنيا والتنازع ومخالفة الرسول صلي الله عليه وسلم، ثم أتي بوجوه الكفار إليهم فوقع البلاء كما قدره الله تماماً .
ومن ذلك كما قال المنافقون في أنفسهم (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا)
حيث لا يكون الإنسان مطمئناً في بيته خالي البال ثم تأتيه ساعته فيذكر مصلحة له لا بد أن ينجزها وقد قدرها الله له سببا ليخرج من بيته إلى مضجعه يعني المكان الذي سيموت فيه بحادث سيارة أو خناقة مفاجئة أو بسكته قلبية أو بأي سبب قدره الله . والله تعالي إذا قدر شيئا قدر له أسبابه ، فليس القتال هو الذي يأتي بالقتل وإنما هو سبب لما قُدّر . ومن ذلك قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) . فالكافر لو خرج ابنه في سفر لعمل أو غزو فمات أو قُتل لظل يتحسر ويقول : لو أنه سمع كلامي ولم يخرج ، لو أنه شُغل بمصلحة أخرى .. لو أنه لم يدخل الجيش .. لو كان كذا لما كان قُتل . لأن الكافر لا يُؤمن بالقدر ولا يعرفه، فتظل الحسرة في قلبه كلما ذكر ولده .. ويقول لو كان كذا كان كذا .. فنهي الله المؤمن عن ذلك إذ كانوا يؤمنون بالقدر بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . كما نهانا الرسول ووعظنا فقال (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) رواه مسلم . فعيب على المحبوس أن يقول : لو أنني لم أتعرف على الأخ فلان لم أُحبس، لو أنني لم أُصل في المسجد الفلاني، لو أنني كنت سافرت قبلها، لو .. لو ..، وكذلك عيب على أهله أن يقولوا مثل ذلك .. فإن الإيمان بالقدر وأنه كائن لا محاله .. الاعتقال والأحكام والبراءات كلها بقدر فعيب عليكم أيها الموحدون ..
فإذا جاءت الأقدار بما نكره من موت أو مرض أو قهر أو سجن أو خوف وغير ذلك فلنذكر قوله تعالي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فالله يعلم عواقب الأمور ونحن لا نعلم ، ولله الأمر جميعاً وليس لنا من الأمر شئ . ولقد آمنا بأن الله أعلم العالمين وأرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ونعم المولي ونعم النصير فكيف لا نرضي به رباً يُدبر أمورنا ويختار لنا حتى يحينيا الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة .
إذا أراد أحدنا أن يستثمر أمواله ولا خبرة له بالاستثمار فإنما يختار مستثمراً قويا في عمله أميناً في تعامله، فيفوض له لا يناقشه ولا يُغاضبه ولا يُعارضه، ثم يرضي باختياره تمام الرضا، إذ يثق به ويُحسن به الظن ويعلم أنه أعلم وأحكم وأنه أمين ولله المثل الأعلى : رضينا به رباً خالقاً مُدبراً وآمراً وناهياً وملكاً ومُعطياً ومانعاً وحكماً ووكيلاً وولياً، وناصراً ومُعيناً وكافياً وحسيباً ورقيباً ومُبتلياً ومُعافياً، وقابضاً وباسطاً إلى غير ذلك من صفات ربوبيته عز وجل .
وإذا كانت المحنة والمصيبة في حق المؤمن (وليس لغيره) منحة وخيراً فمن حق الله عز وجل أن يمن بها عليه إذ قدرها له وثبته فيها على الصراط المستقيم، وألجأه فيها إلى التوحيد الحق، فدعاه مخلصاً له الدين، ورجاه لا يرجو أحد سواه، وتعلق قلبه به لا بغيره، فحصل له من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة من زوال المرض أو الحبس أو تلك المصيبة، ثم بعد ذلك يخرج المؤمن من البلاء وقد تّعلم الصبر، وكُفّر من سيئاته، وعلت درجاته، ثم قد يُعجّل له شيئاً من النعم ويُعوضه أكثر مما فاته بالحبس والأحكام وغير ذلك فما أعظم نعمة الإسلام علي المؤمن .. هذا بخلاف الجنة والنار .
لما تعجب المؤمنون من الهزيمة الثقيلة في أُحدّ وقالوا أني هذا، كيف قدّر الله هذا ونحن مؤمنون ومعنا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال لهم الله تعالي (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقال ذلك بعد أن بين في الآية قبلها أن الله تعالي هو الذي يمن على المؤمنين فقال (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ …) وفي قصص الأنبياء عبرة لأولي الألباب، وهم أعظم أولياء الله وأحبته كم ذاقوا من الأذى وصبروا عليه وكانوا شاكرين في جميع أحوالهم وقد تنوعت عليهم الإبتلاءات واشتدت وطالت عليهم المحن . وهذا يوسف عليه السلام أوُتي شطر الجمال، وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، ومع ذلك اُبتليّ بالسجن في مصر بضع سنين ظلماً وتسلطاً بسبب استعصامه وكان من عباد الله المخلصين . وآثر السجن بل أحبه لأن فيه موافقة ربة والنجاة من معصيته التي انعقدت أسبابها، فلما دخل السجن جعل يعلم التوحيد ويبين أنه نعمة من الله على العباد فقال (مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) وقال لأخوته بعد انفراج المحنة (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) .
وقال لأبيه بعد أن تحققت رؤياه وخروا له سُجداً وهو في منصبة العالي في مصر ومعه أهله وأحبته قال (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) واللطيف يجرى رحمته تحت أستار الخفاء، فظاهر الأمر : غدر من إخوته، وحرمان من أبوية وبيته وأسر في بيت العزيز بعد بيعه كسلعة زهد فيها أصحابها، ودخول للسجن بضع سنين، ويسمع بأُذنه من إخوته أنه سرق (قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)إلى أن حدث المشهد الأخير في تحقق رؤياه وهو مُمّكن في أرض مصر رحمة من الله له بعد مرروه بقصة البلاء الطويلة، ولم يحدث له يأس ولا كفور عندما أُخرج من قصر العزيز إلى السجن بضع سنين وإنما اتقي وصبر، كما لم يحدث منه فرح بطر واشر ولا فخر عند نهاية البلاء، وإنما ذكر إحسان الله به ومنته عليه إذ أخرجه من السجن وجمعه على أهله (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ..) ولم يغتر بتعظيم أهله له بسجودهم له سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة، ولم يحدث له وساوس في علم الله وحكمته ..
وإذا كان الله تعالي قد أنعم على آل يعقوب مع إنعامه على يوسف (وبنيه) بالعز والتمكين والسرور والغبطة فلماذا لا نرجو أن يُنعم الله على أهلينا ومن يتعلق بنا بسبب محنتنا هذه، بل إن ذلك لا يتخلف إلا بسبب الذنوب الكثيرة والكبيرة أحياناً ومنها المطعم الحرام والمشرب والملبس والإغتذاء ولا نيأس من مراجعة النفس والتوبة لنزول الموانع، والعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية، ولقد تاب الله على أخوة يوسف توبة نصوحا بعد ما كان منهم، وصاروا علماء أجّلاء إن لم يصيروا أنبياء، وهم الأسباط (وما أحسن تملق يوسف لله تثبيت إيمانه وسؤاله حسن الخاتمة وتمام النعمة حيث قال (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) ولا ننسي هذه المحنة العظيمة التي أمتحن الله بها نبيه وصفية يعقوب عليه السلام حيث قضي بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف الذي لا يقدر على فراقه ساعة واحدة ويحزنه أشد الحزن، فإذا به يُحصّل التفرق بينه وبينه مدة طويلة لا تقصر عن ثلاثين سنة ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه المدة (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ثم أزداد به الأمر شدة حيث صار الفراق بينه وبين ابنه الثاني شقيق يوسف . فهو عليه السلام صابر لأمر الله محتسب الأجر من الله قد وعد من نفسه الصبر الجميل مستعيناً بالله، ثم بلغ الكرب مداه واشتد إلى أقصى ما يكون وحصل الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر، أذن الله حينئذٍ بالفرج فحصل التلاقي في أشد الأوقات إليه حاجة واضطرار فتم بذلك الأجر وحصل السرور واليسر بعد العسر . "السعدي" بتصرف) وأخيراً هذا نبينا عليه الصلاة والسلام كم أُوذي في مكة وضُرب على وجهه الأشرف حتى غُشي عليه، وحُبس هو وأصحابه وأهله في شِعب أبي طالب ثلاثة سنوات مُحاصرين لا يجدون الطعام لدرجة أن أحدهم عثر على قطعة جلد يابسة في التراب فأخذها وطحنها لأهلة، وغير ذلك كثيراً إلى أن رجع إلى مكة فاتحاً منتصراً ساجداً لله على ظهر ناقته وتمت عليه المغفرة والنعمة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا ننس الإمام أحمد في محنته وسجنه، وكذلك ابن تيميه في سجنه الذي مات فيه وغيرهم كثير .
وعند معاينة البلاء الشديد فإن الفؤاد يعجز ويكلّ عن التفكير السليم ويتشتت فلا يتماسك بل ويقترب أن يكون هواء، فتتمكن منه الوساوس والظنون الفاسدة المُخالفة لعلم الله كما يقول الجهلاء من ضعفاء الإيمان (ليه يارب كده !! دا أنا ما ليش غيره يارب !! دا حرام !! ضيعته إزاى
يارب ؟ دا إحنا عايشين يوم بيوم !! ليه تترك الظالمين يبيعوا ويشتروا فينا .. يارب دا أحنا كنا لسه ناويين نعمل مشروع للعيال … بأي سايب الكفار والفساق والدّعار والصّيع في الهناء والسعادة واحنا في البهدلة لهذا الحد .. حاشا لله ثم حاش لله .. فالله تعالي عليم حكيم بلا نقص في علمه ولا في حكمته لكن الإنسان أصله ظلوم (لنفسه) جهول (بربه) ولو كان مؤمنا حقا، ما دخلت الوساوس والشكوك والظنون الفاسدة إلى قلبه، وبالتالي ما نشأت إرادة فاسدة في القلب تخالف إرادة الله من العبد يعني : لا يرتاب، كما يقول تعالي (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا..) ومثال ذلك يعقوب، ويوسف عليهما السلام ذاقا من أشد البلاء كما مر بنا فلم يحدث منهما شئ من هذه الوساوس والمعارضات لعلم الله وحكمته بل قال يعقوب عليه السلام عندما فقد ابنه الثاني واحتدم البلاء : (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) قال (عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يعني لا علم ولا حكمة إلا منه عز وجل (لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا) (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) فكيف يُعارض من لا علم له ولا حكمة ، علم وحُكم وحكمة العليم الحكيم سبحان الله وكذلك يوسف في نهاية القصة والفرج والائتلاف والمسرة قال (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يعقوب قالها عند احتدام الكرب ويوسف قالها بعد انفراج الكرب بياناً وتأكيدا على أن كل جزيئات القصة كانت على مقتضى العلم الكامل والحكمة البالغة، وفي بداية القصة قبل حدوث البلاء ويعقوب يتمتع بولده الجميل الكريم الذي بُشر بالنبوة لكنه لا يعلم كيف ستسير الأمور وكيف تتم النعمة .. في هذه القصة قال (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فهو راض بالله رباً إنه عليم حكيم فلماذا القلق من التفاصيل بل هو مفوض لله في كل أمره : قدراً وشرعاً وجزاءاً، ومن ثم فهو راض عما يختاره ويُقدره له يعني هو راض عن الله يفعل ما يشاء، يخلق ما يشاء ويختار، وذلك لا يتعارض مع إحساسه بالألم وتوجعه منه، وشكواه بثه وحزنه إلى الله، وقد ابيضت عيناه من الحزن، كل ذلك لا يتعارض مع الرضا عن الله بالبلاء الذي يأتي بالمكروه كالصائم في الحر الشديد يتألم من الحر والعطش وهو راض مرتبه صومه وأجره، وكالمجاهد يتألم بالجراح لكنه راض جداً عن العمل وعاقبته، وكالمريض يكره الدواء ولكنه راضٍ بالعلاج ونتيجته فلنتألم من الأحكام الجائرة وظلم الظالمين والخوف وفراق الأحبة إلى حين، وضياع الوظيفة ونقص من الثمرات .. ولكن نطلب من الله السكينة والثبات والربط على القلوب لتظل راضية بالله رباً يخلق ما يشاء ويختار، ويدبر أمورنا بعلمه وحكمته، ويُرضّي قلوبنا عن أقداره التي جاءت بشيء من البلاء مما تكرهه النفوس، إذا الرضا أعلا من الصبر، والشكر لله على هذا المكروه أعلا من الرضا ولا يكون إلا من السابقين، الذين يشكرون الله على المكروه إذا علموا أن الله لا يقضي لهم إلا الخير . غير أننا نطمع في مرتبة الرضا وهو يمد الشكر ويستنزل السكينة فسنذكر بعض الأوجه التي تعين عليها، من كلام بن القيم في مدارج السالكين حيث ذكر 62 وجهاً نذكر أهمها فيما يلي : الأوجه التي تعين المؤمن على الرضا بالبلية كما يرضي بالنعمة :ــ 1-التفويض : وقد تبين فيما مضي، إذ المفوض راض بكل ما أختاره له من فوض إليه لا سيما إذا علم كمال علمه وحكمته ورحمته ولطفه وبره وحسن اختياره له . في حين أنه نفسه جاهل بعواقب الأمور فلا يعرف أين مصلحته
2- الاعتقاد الجازم بأنه لا تبديل لكلمات الله القدرية والشرعية ، ولا رآد لحكمه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فالنعمة والبلية بقضاء سابق وقدر حتم قبل خلق السماوات والأرض ب 50 ألف سنه ولا فائدة في إيمان من لم يؤمن بهذا الركن (وهو الإيمان بالقدر) وقد جاء في الحديث : (وَلَوْ كَانَ لَكَ جَبَلُ أُحُدٍ أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ) رواه أحمد ، صحيح في صحيح الجامع برقم 5242 .
3- أن يذكر المؤمن أنه عبد محض وسيده مشفق به بار مُحسن ناصح ورحيم ونعم الوكيل وبالتالي لن يسخط أحكامه التي أجراها عليه (إلا إذا أساء الظن بسيده وتشكك في علمه ونصحه) . 4- أن يذكر أنه مسلم ، والمسلم من قد سلّم نفسه لله واستسلم له لا لغيره وبالتالي كيف يعترض على أحكامه وجريانها عليه وكيف يسخط على ما قدّره له، فإن اعترض وسخط فقد غفل عن معني كونه مسلما .
5- المحب الصادق هو الذي يرضي بما يعامله به حبيبه، والمؤمن لا يكون إلا محبا صادقاً لله قال تعالي (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) فالرضا نتيجة طبيعية للمحبة كما هو نتيجة طبيعية للتفويض .
6- المؤمن عارف بربه حسن الظن به لا يتهمه فما يجريه عليه من الأقدار فتستوي عنده النعمة والبلية ويرضي باختيار ربه له . كما يعلم المؤمن أنه ما من شئ إلا وهو أثر من آثار أسماء الله تعالي وصفاته، ومن ذلك ما يجري علينا من البلاء بالمكروه، فإن لم نرض به، يكون معني هذا أننا لم نرض بأسمائه تعالي وصفاته وبالتالي لم ترض به ربا عياذا بالله أن تكون كذلك، وفي الحديث ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) رواه مسلم . كما نكون جائرين ظالمين، لأن البلاء بالمكروه عدل من الله عز وجل كما في حديث بن مسعود (مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ) رواه أحمد . فمن لم يرضي بالعدل فهو من أهل الجحود والظلم
7- إن كل قدر يكرهه العبد ولا يلائمه لا يخلو : إما أن يكون عقوبة على ذنوب لو تركت لأحدثت ذنوبا أخري أشد من الأولي، وهذه الثانية تكون سببا في ذنوب ثالثة أشد وأشد وهكذا تترامي به إلى الهلاك في النهاية والعياذ بالله فبرحمة الله جاء المكروه فأزال الذنوب الأولي وقطع تسلسلها الخطير (كما يحدث عند كثير من أهل العافية وهم لا يشعرون) كالمرض إذا لم يتداركه الطبيب بالدواء فيترامى بالمريض إلى الهلاك، وإما أن يكون هذا المكروه سببا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه . فالمكروه ينقطع ويتلاشي، وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع
8- الإنسان أصله ظلوم جهول لا يعرف من وجوه مصلحته إلا القليل، ولو عرفها فإنه لا يريدها إلا القليل العاجل على طريقة (أحيني اليوم وأمتني غداً) ولكن ربه سبحانه وهو الأعلم والأحكم والأرحم به من نفسه يريد للمؤمن مصلحته في النهاية من الزحزحة عن النار ودخول الجنة علاوة على مصالحة الدنيوية بحكمة الله، فيسوق إليه أسبابها والتي من أعظمها ما يكره العبد، فإن مصلحته فيما يكره أضعاف مصلحته فيما يحب . قال تعالي (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ… الآية) وقال (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) مثال ذلك : لو كرهنا الحبس سنه فقد تكون هذه السنة سببا في نجاتنا من الحبس في جهنم آلاف السنين وقد تكون سبباً في إبعادنا عن التعرض لحادثة فيها حتفنا أو الوقوع في قضايا أخرى فيها عشرات السنين من الحبس أو الافتتان بظروف أخرى لا نعرفها، وقد تكون سبباً في حفظنا للقرآن وفي ظهور دعوة أهملها الناس ، وغير ذلك كثير .
9- الله سبحانه تفرد بخلقنا ولم نكن شيئا ، فقدر الطويل والقصير، والأبيض والأسود والأحمر، والنبيه والخامل، والغني والفقر، والعز والذل ، والأسرة والبلد والبيئة وكل شئ، فالله سبحانه كما تفرد بذلك فقد تفرد بالاختيار والتدبير : لمن يكون البلاء، وكيف يكون، ومتي يحدث .. الخ وليس للعبد شئ من ذلك فإن الأمر كله لله ، وقد قال تعالي لنبية (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) بل الله هو الأول قبل كل شئ والآخر بعد كل شئ وهو المظهر لكل شئ، والمالك لكل شئ، فما الذي تبقي للعبد إلا أن يسلم ويرضي .
بيان قيمة وثمرات الرضا :
10- الجزاء من جنس العمل ، فإذا رضي العبد عن الله، رضي الله عنه، ورضوان الله هو أفضل الجزاء فيكون الرضا عن الله أفضل الأعمال، وإذا كانت الجنة مخلوقة فرضوان الله صفة لله، ولذلك فالرضوان أكبر من الجنة . قال تعالي (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
11- الرضا :هو مخالفة النفس لهواها وطبعها وإرادتها فتصير مطمئنة، ولا تصير مطمئنة قط حتى ترضى بالقضاء فتستحق أن يُقال لها (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) .
12- حظ العبد من البلاء المكروه ما يتلقاه به من رضي وسخط، فإن رضي فله الرضي من الله وإن سخط فله السخط من الله، والبلاء واقع وحاصل في الحالتين فلماذا يخسر العبد رضا الله وينال سخطه بلا مقابل يستمتع به في دنياه . بل الحسرة، ويثقل عليه البلاء جداً ويزداد عيه شده ويتضاعف عليه ثقله وكلّه .
13- إذا رضي العبد في البلاء المكروه، انقلب في حقه نعمة ومنحة، وخف عليه حمله، وأُعين عليه، فإن الصبر ينزل من السماء على قدر المصيبة، والمعونة تنزل على قدر المؤنة كما جاء في الحديث، هذا بخلاف العبوديات التي يستخرجها الله منه ويرفعه بها درجات عاليه من الصبر والتوكل والرضا والتضرع والافتقار والذل والخضوع والإلحاح في الدعاء والاستغفار من الذنب الذي أُصيب بسببه بهذا البلاء، وغير ذلك من العبوديات التي يربح بها المؤمن ربحاً واسعاً عند الله، فبالله العظيم ما هذا إلا رحمة ومنحة وخير للمؤمن (وليس ذلك إلا للمؤمن كما أقسم به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .
14- الحياة الطيبة هي نعيم القلب وسروره وراحته وصلاح باله ولا يحدث ذلك إلا للمؤمن الحق الراضي عن الله في جميع الحالات، ولذلك قالوا الرضى باب الله الأعظم، وجنة الدنيا ومُستراح العارفين، فجدير بمن كان ناصحاً لنفسه أن تشد رغبته فيه، وأن يجاهد نفسه حتى يوفقه الله في بلوغ هذه المنزلة ، أما السخط فبعكس ذلك، فهو باب الغم والهم والحزن، وشتات القلب وكسف البال وسوء الحال، والظن بالله خلاف ما هو أهله، بل هو العليم الحكيم .
15- إذا كان الرضا يثمر الشكر فأن السخط يثمر كفر النعم وربما أثمر كفر المنعم والعياذ بالله لأن الشيطان يصطاد الإنسان عند السخط والشهوة، ولا سيما إذا استحكم سخطه فعندئذ يقول كلاما يندي له جبين العقلاء، وكذلك يفعل وينوي، أما الراضي فلا يفعل ولا يقول إلا ما يرضي ربه، ولا يمنع هذا من حزن القلب ودمع العين فلا تعارض كما قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما مات ابنه إبراهيم (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، متفق عليه . فجمع الرسول بين مقام الرضا عن الله، ومقام البكاء رحمة للصبي ورقة للقلب . وللأسف الشديد فأكثر الناس الآن في مثل هذا الموطن : لا عندهم رضا عن الله ولا عندهم رحمة حقيقية للميت، وإنما حزنهم لفوات حظوظهم من هذا الميت .
16- معلوم أن الحرص على الدنيا والتكالب عليها، من أشد الآفات إفساداً لدين العبد والرضي عن الله في جميع الحالات يقطع مادة هذه الآفات، ويجعل هواه تبعا لما يحبه الله ويرضاه .
17- إذا كان الراضي يتلقي قدر ربه بالانشراح والتسليم وطيب النفس والاستسلام فإنه يكون كذلك مع الأمر والنهي، وتتولد عنده الطاعات دائماً، كما أن المخالفات أصلها من عدم الرضا .
18- أنفع شئ للمؤمن عند الشدائد والكروب هو تنزل السكينة عليه، ولقد أنزلها الله على رسوله وهو في الغار والكفار على بابه قال تعالي (فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا.. الآية) وأنزلها عليه وعلى المؤمنين في غزوة حنين بعد الكسرة الأولي بسبب الهجوم المباغت للكفار قال تعالي (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ.. ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا) وأنزلها عليهم وعلى المؤمنين في صلح الحديبية عندما تعنت الكفار واشترطوا أشياء لا تتحملها النفوس ونعلم موقف عمر رضي الله عنه وغيره . قال تعالي (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) وكلمة التقوى هي لا إله إلا الله، وتحقيقها في القلوب درجات لا يحصيها إلا الله، فعندما تحدث المعارضات لرسول الله تقل هذه الدرجات في قلب المؤمن، فمّن الله عليهم وألزمهم كلمة التقوى . وأنزل الله سكينته أيضاً على المؤمنين في بيعة الرضوان قال تعالي (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ.. الآية) والله يُنزل السكينة ابتداءاً على المؤمن ليزداد إيمانه ولتتم عليه نعم الله . قال تعالي : (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ.. الآية) والسكينة متى نزلت عليه استقام وصلحت أحواله وصلح باله، وعمله الأمن والراحة والسرور وطيب العيش .. فمن أعظم نعم الله على عبده تنزل السكينة عليه، ومن أعظم أسبابها : الرضا عنه في جميع الحالات . والسكينة من السكون، ويُمكن تقريب معناها بسيارة سليمة تسير في طريق واسع سوىّ وفجأة انفجرت إحدى الإطارات، فاضطربت الحركة يمنة ويسره ودخلت السيارة جانب الطريق في الرمال والصخور، فلا أحد يعرف العاقبة، لا سيما إذا كان في الطريق سيارات أخري، فهكذا إذا ارتفعت السكينة عن القلب فاضطرب وارتاب ودخلته الشكوك والوساوس والظنون الفاسدة والمغاضبات والمعارضات لفعل الله عز وجل، أي الإرادات الفاسدة . فإذا مّن الله على هذا وأنزل السكينة عليه عاد إلى الطمأنينة والالتزام والقرار والتؤدة، فإذا كان الرضا سبباً لكل هذا، فإن السخط يُوجب العكس تماما لما مضى .
19- بقي أن نُحذر من خطوات الشيطان في الضغط على المكروب حتى يذهب الرضا ويحل السخط فيصطاد الساخط يتلاعب به كيف يشاء . وسنأخذ على ذلك مثالين :ـ
الأول : المؤمن المكروب في سبيل الله في شدة البلاء بالبأساء (في ماله) والضراء في (بدنه)، مع أن جيرانه ومعارفه وأصدقاءه وأقرباءه في عز العافية بالرخاء والنعماء، وأطفال وأُسرة المكروب يتضاعف عليهم الغم والحزن كلما رأوا من حال أولي النعمة مما يزيد الكرب ويثقل القلب أو يكون له زميل دراسة وحصل على شهادته الدراسية وصارت له وظيفة مرموقة ثم سافر إلى الخارج عدة سنوات وعاد محملاً بالأموال وله زوجة وسيارة وفيلا وأولاد ، فينظر إلى زميله هذا وينظر إلى نفسه لا يزال سجينا وليس معه شئ .. أو ما شابه من وقائع القدر فعندئذٍ يجزع ويتلوم على الأقدار (وذلك لوم لمقدرها) ويتعتب ويقول لو كان كذا كان كذا ويتسخط في النهاية ويصير كأن لم ينعم بنعمة الإيمان ويعود إلى أصله الظلوم الجهول فيكون قد انقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة : وقع البلاء ولم يأخذ أجره، بل أنقلب به وجاءته الهموم والأنكاد والحسرات والحقد، في حين أن هذا الغني المُعافي (ظاهراً) من الحبس والفقر وحرمان قضاء الوطر ، قد يكون مؤمناً شاكراً له آخرته مع دنياه، ونحن نُحصّن المؤمن من السقوط فنقول .
1- راجع حكمة الابتلاء لابن القيم أو غيره، وما يدريك لو كنت مكان هؤلاء الأغنياء لأفسدت في الأرض وبغيت وأردت علواً حتى انقَلَبَت بك السيّارة الفارهه في البحر أو دخلت بها في سيارة لوري فمت مُهَشَّماً مُحترقاً وغير ذلك من الأقدار، وأغنياء الكفَّار أكثر وأغني، وأقوى أبداناً، فهل يَسمح المُسلم لنفسه أن يمُدَّ عينيه إليهم .. إلى ما متعهم الله بهم من زهرة الحياة الدنيا ليفتنهم فيه، أو ليستدرجهم به، أو ليُعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون، هل يَسمَح المسلم لنفسه بتصغير نعمة الإسلام وتعظيم نعمة الدنيا في أيدي الكفار معاذ الله ( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) لقد قصر الله الفرح : على الفرح بفضل الله وبرحمته يعني بالقرآن والإيمان فهو خير من كل كنوز الأرض .. لقد مر الرسول (بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ فَقَالُوا مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ قَالَ أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ قَالُوا وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ) رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ثم قال لأصحابه يعظهم (فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ) وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْزوجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" رواه البخاري ومسلم . وعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :" لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " رواه البخاري ومسلم . والآيات والأحاديث كثيرة في بيان حقارة الدنيا نسبة إلى الآخرة .. إن الأجر على يوم واحد في الحبس في سبيل الله يرضي فيه المؤمن عن ربه، لهو أعلي من الدنيا وما فيها .أقول لهذا الجزع السَّاخِط : راجع إيمانك، وإن لم تستطع أن تعمل لله بالرضا، فعليك بالصبر (حبس النفس عن الجزع والتَّسخُّط) فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً .
واختار لك قصة من السيرة العطرة تعينك على الثبات والاستقامة : ــ
لما هزم الله المشركين في حُنين وغَنم المسلمون مغانم كثيرة، بدأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطي أبا سفيان بن حرب : 40 أوقية (أوقية تعني : أربعون درهما من الفضة) و100 من الإبل، فقال .. ابني يزيد ؟ فقال أعطوه 40 أوقية ،100 من الإبل، فقال ابني معاوية ؟ قال أعطوه 40 أوقية، 100 من الإبل (يعني أبو سفيان وأهله صار مليونيرا بعطاء الرسول) . وأعطي حكيم بن حزم 100 من الإبل ثم سأله 100 أخرى فأعطاه وهكذا عطاء جواد لا يخشي الفقر، ومع ذلك لم يجعل في الأنصار من هذه المغانم شيئا : فأسمع لما ذكره ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلَّا ام راجل يعجبكؤٌ مِنْ قَوْمِي وَمَا أَنَا قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا. رواه أحمد .
1- ملايين الدنيا سماها الرسول صلي الله وعليه وسلم لعاعة يعني شئ تافه لا وزن له أمام نعمة الإيمان .
2- ناس معهم الشاء والبعير، وآخرون معهم رسول الله يرجعون به إلى رحالهم فمن الأربح والأعظم !! فكيف يُفتن المؤمن السجين ببعض لعاعة من الدنيا في يد الآخرين !! إن الأنصار رضي الله عنهم كما لم يرجعوا بشئ إلى عيالهم وأهليهم مع معاينتهم لعطايا الآخرين شق ذلك عليهم حتى وجدوا في أنفسهم على رسول الله ولم يرضوا، فلما ذُكّروا رضوا تماما وبكوا بكاء شديداً كيف حدثت في نفوسهم معارضة لفعل الرسول، وفرحوا بحظهم العظيم (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) . قال عمر بن الخطاب يوما لامرأته عاتكه ـ وقد غضب عليها : والله لأسوءنَّك . فقالت : أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله له ؟ قال : لا . فقالت : فأي شئ تسوءنّي به إذاً ؟ . تريد أنها راضية بما يقدره الله ولا يسوءها من ذلك إلا صرفها عن الإسلام . ولا سبيل له إليه .
المثال الثاني : طول المكث في السجن :
1- أذكر أن الكريم على الله يوسف "عليه السلام" لبث في السجن بضع سنين (لأنه رفض الفاحشة والدنيا الحرام) وليس ذنوب نعرفها، فإذا لبثت يا أخى أضعاف يوسف "عليه السلام" فأذكر ذنوبك الكثيرة كم تحتاج من الصبر .
2- أذكر قوله تعالي (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) فالأمر الطبيعي أن يزداد المؤمن إيماناً بطول الأمد للطاعات المستمرة وأبرزها قيام الليل وقراءة القرآن . فإن لم تجد في قلبك أثرا فأعلم أن عملك مدخول مغشوش يحتاج إلى تصحيح، لأن ربك شاكر عليم، إن عملت صالحاً شكر لك فزادك خشوعاً فازددت رضا .
3- احتسب وأرج الأجر من الله وأذكر العوض من الله دنيا وآخرة، وأذكر أن معك عباداً لله من حبهم له يستعذبُون الأذى في سبيله مع أنهم أطول منك وأشد بلاءا .
4- وعظنا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ننظر إلى من هو أشد منا ابتلاءا وأقل منا نعمة وألا ننظر إلى من هو أعلي نعمة وأقل مصيبة، وذلك أجدر ألا يزدري نعمة الله عليه .
5- راجع هذه الوريقات وأذكر أنك فوضت ربك في الاختيار ثم ترضي بما يختاره لك، وسيأتيك قدره، فلا تتعلق بالآمال المشابهة للسراب لأنها تتسبب في الهزيمة النفسية أمام الظلمة .
6- أذكر كيف كان عيش النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكيف كان ابتلاء أيوب وطول مدته (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) .
أيها الجزوع : إنك لو خُيّرتَ الآن بين الخروج من الحبس وبين المكث فيه نظير أجر دنيوي خيالي مائة ألف جنيها مثلا في الشهر، فإنك ستختار الثانية قائلا (آخذ سنة كمان … ألخ) فأين ثقتك بوعد الله وثوابه ؟ (لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) رواه البخاري ومسلم . فهل صارت الدنيا أثقل وزناً عندك من الآخرة ؟! أم هل تري يوم القيامة بعيداً !! فالله يراه قريبا . أم هل ادَّارَكَ عِلْمُُك فِي الآْخِرَةِ ؟ أعني نسيت تفاصيل راجل يعجبكات القيامة، والذي نذكره لا تتصوره، إلا مجرد كلمات وعبارات تفيد أخبارا فقط، أما المُخبر عنه فتصوُّرُه والتأثر به شئ آخر، والذي تتصوره إن كان شرا جعلته لغيرك من الفساق والفجار وكأنك في مأمن منه، وإن كان خيرا آثرت عليه العاجلة فصارت الصورة في قلبك باهتة غير مؤثرة فأصبحت رغبتك ورهبتك لدنيا .. ولذلك أقول لك : أسرع بتوبة نصوح مستعيناً بالله وهو سبحانه يفرح بتوبة عبده أعظم من أكبر فرح يُتصور في الناس، فإن لم تسرع بذلك ربما ترامي بك الحال إلى الهلاك والعطب والعياذ بالله . وهناك بعض الأمثلة على ما عند الله من نعيم وعذاب .
(أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ … الآية) الإنسان في الدنيا يتقي بكفه ويده أما في جهنم فلا يجد ما يدفع به الحريق أو لدغ الحيات عن صدره (مثلا) إلا أن يضع وجهه بدلا من صدره من هول ما يجد، ليريح صدره .
(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ..) (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ) (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ *كَغَلْيِ الْحَمِيمِ *خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ..) (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخ راجل يعجبكجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ *ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ* وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) قد علت الشفة العليا إلى الجبين متفحَّمة، وتدلت الشفة السفلي إلى الصدر كذلك من شدة الاصطراخ والعذاب الأليم (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ) (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ) .. ولقد جاء في السنة هذه الحقائق :ـ (وهي قليل من كثير ، والمتون ليست بحوزتي الآن) (مَقْعَدُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكُلُّ ضِرْسٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَفَخِذُهُ مِثْلُ وَرِقَانَ وَجِلْدُهُ سِوَى لَحْمِهِ وَعِظَامِهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) رواه أحمد ، صحيح الجامع برقم 3890 . وسمك جلده 40 ذراعا، 42، 70 بحسب كفره وصده ـ ضرسه مثل أحد .. الدموع حارة ملتهبه تصنع الأخاديد في الوجه، لو أُجريت فيها السفن لجرت ـ نار جهنم في أول استقبال لها تنزع الجلد واللحم والعصب وتُلقي ذلك تحت الأقدام تاركة العظم يصلاها ثم يُبدلهم الله جلوداً غيرها .. ولا يموتون بذلك بل (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) .." يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ " رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
إن الكنز الذي لم تُخرج زكاته يأتي صاحبه وقد صُفحت له صفائح من نار فتكوي بها جبنيه وظهره وجنبه كلما بردت أُعيدت له حتى يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . وهذا رجل مسلم .
وآخر مثله يأتيه كنزه يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ الحديث في البخاري .. كل ذلك حتى يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .
إن الموقف العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين طوله 25 ألف سنة من الكروب والأهوال .. يُهوّنه الله على المؤمن الحق فيكون كتدلي الشمس للغروب . فهل يكون كثيراً أن نتحمل الحبس سنوات وسنوات في سبيل هذه الغاية . إن الإسلام هو أكبر النعم، لأن به النجاة من النار، ودخول الجنة، وتيسير الحساب، وتهوين الموقف العظيم، والاتصال بالله، والأنس به، والشوق إليه، والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، وكفالة الله لأوليائه وحفظه وكفايته لهم، وكلاءته ورحمته وكرمه وعفوه ومغفرته ومجاورته في الجنات .. ورضوان من الله أكبر . أفلا نشكر هذه النعمة التي من الله بها علينا بغير سابقة فضل أو عمل منا !! إن شكر هذه النعمة هو التقوى والصبر . فلنتق الله في هذه الأوقات (في الحبس) التي فرغنا فيها لعبادته صوماً وقياماً وحفظاً للقرآن ودراسة لما تيسر من العلوم الشرعية مع الصبر على ذلك وعلى الأذى الذي يصدر من البعض نظرا لاختلاف الطبائع والسلوكيات والبيئات والتربية ودرجات العلم والإيمان . فإن ذلك من البلاء الشديد .
الصبر على عهد الله حتى يأتي وعد الله (إِنَّمَا يُوَفي الصَّابِرُونَ..) أما أن نستعجل وننظر إلى أهل العافية وإلى أهل الدنيا، فذلك يرجع إلى آفات في العمل أو آفات كامنة ولا يشعر بها صاحبها، فليس أمام صاحب هذه الحالة إلا صدق اللجأ إلى الله واستغفاره بضراعة مع اختيار الأوقات الأنسب : كالأسحار وغيرها (بين الأذان والإقامة ـ آخر ساعة من يوم الجمعة ـ عند الإفطار من الصوم ـ بعد التشهد ..) .
نعود إلى الحديث عن الترغيب فنقول :
اللذة ثلاث أجناس : 1- لذة بدنية (مطعم، ومشرب، وملبس، ومنكح، ومسكن، وطرب وطيب ومرائي حسنة، واعتدال درجة حرارة الجو وما شابه)
2- لذة نفسية (موافقة الآخرين وإكرامهم، فيشعر الإنسان بمكانته بينهم ورضوانهم عليه وثنائهم ومحبتهم له . فيشعر بلذة نفسية وهمية) .
3- لذة روحية قلبية (وهذه تحصل للإنسان عقب تحصيل العلوم النافعة، وأشرفها علم الدين وأشرفها المعرفة بالله : بأسمائه الحسنى وصفاته العلا) .
وهذه اللذات في الجنة على التمام والكمال، فأمّا البدنية فهي في القرآن لا تحتاج إلى بيان، وأما النفسية فالمؤمن مع إخوانه كما قال تعالي (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) . والمؤمن مع الملائكة كما قال تعالي (وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ) وأعلي من كل ذلك كما قال تعالي (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ) إن الذي يوافقه ويكرمه ويُثني عليه هو الله !! وأما اللذة الروحية القلبية فليست فقط في التعرف على الله بحق اليقين وبمحامد لم نكن نعرفها في الدنيا، بل بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه في يوم المزيد حيث يرجع إلى أهله فيعرف منه أنه قد أزداد بهاءً ونَضرة وجمالا .. وهذه اللذات في الجنات يتلذذ بها المؤمن والمؤمنة أبد الآباد .. فهل نستثقل في سبيل الله ذلك السجن بضع سنين أو أكثر أو أقل !! اللهم غُفَرا .
إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنْ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنْ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. وهو الذي خرج من ماله كله أكثر من مرة !!
(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) نصوص عامة في الموضوع (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) متفق عليه . (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد .
(إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه الترمذي وابن ماجه، صحيح الجامع برقم 308 .
عَنْ سَعْدٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً فَقَالَ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ رَقِيقَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَاكَ وَإِنْ كَانَ صُلْبَ الدِّينِ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَاكَ قَالَ فَمَا تَزَالُ الْبَلَايَا بِالرَّجُلِ حَتَّى يَمْشِيَ فِي الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، صحيح الجامع برقم 992 ، 993 ، 994 .
(مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ قَالَ أَجَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ) عن عبد الله بن مسعود، رواه أحمد، وفي السلسلة الصحيحة .
والسجين وقته كله بعد النوم والمأكل والمشرب ـ للقرآن، فكيف لا يكون القرآن ربيع قلبه إلا أن يكون مخذولا بذنوبه (غيبة ـ أذى الأخوة ـ أثرة ـ ضعف ولاء وبراء ـ فقدان الخشوع في الصلاة ….)
(انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) متفق عليه.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) رواه الترمذي، صحيح الجامع برقم 7957 .
تعليق سريع جداً على الحديث : (من كتاب جامع العلوم والحكم) :
احفظ الله : احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه (حفظ اللسان والبصر والأذن والفرج والقلب والبطن) .
حفظ الله للعبد 1- حفظ مصالح دنياه : في بدنه وولده وأهله وماله (إلا أن يأتي الابتلاء فيكون حفظ الله للعبد بهداية قلبه كما سبق) ومن أمثلة الحفظ قوله تعالي (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) قال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والأنس والهوام، فما من شئ يأتيه إلا قال له : وراءك، إلا شيئا أذن الله فيه فيصيبه .
2- حفظ العبد في دينه وإيمانه (من الشبهات المضلة والشهوات المحرمة) وعند موته، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه . قال تعالي (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)
3- تجده تجاهك : في كل أحوالك يحوطك وينصرك ويحفظك ويوفقك ويُسددك مهما تقلبت لك الأمور وفاجأتك المواقف تجده قريبا مجيبا، كما في الحديث (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) رواه البخاري . فإذا ظهر هذا، تبين أن المبتلي (بحبسٍ وخلافه) لو جزع وتسخط فقد دل ذلك على أنه لم يحفظ الله كما ينبغي فلم يحفظه الله، لأن أخاه في المحنة لا يزال راضيا عن الله، وعلى استعداد أن يتحمل فوق ما هو فيه موقنا أنه نعمة أخرى من الله، فهو في طريقه إلى تمام النعمة، بينما هذا المتسخط في طريقه إلى حبوط العمل والخسران المبين مع أنه يعاني نفس آلام الابتلاء غير ملطوف به . فعليه أن يكثر من الطاعات والاستغفار والاستعانة بالله عز وجل . (وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ) رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه ، صحيح الجامع برقم 2150 .

نسألكم بالله الدعاء لفضيلة الشيخ بأن يفك الله أسره ، ويرده لنا ولأهله وينفع بعلمه
ويتقبله ، وينتقم ممن صد عن سبيل الله ومنع مساجد الله أن يُذكر فيها أسمه ،
وسعي في خرابها ، إنه بكل شيء قدير ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

القديسة
عميد
عميد

انثى
عدد المشاركات : 1220
العمر : 43
رقم العضوية : 1219
قوة التقييم : 10
تاريخ التسجيل : 19/02/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حال المؤمن عند ابتلاءه بالشدائد

مُساهمة من طرف طيب ليبيا في 2010-06-13, 12:14 pm

اشكرك وبارك الله فيك ومزيد من التقدم

طيب ليبيا
عميد
عميد

ذكر
عدد المشاركات : 1005
العمر : 41
قوة التقييم : 8
تاريخ التسجيل : 20/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حال المؤمن عند ابتلاءه بالشدائد

مُساهمة من طرف STAR في 2010-07-06, 7:54 pm

بارك الله فيك على ما قدمت جعلة الله فى ميزان حسناتك يا غالى

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~
اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمد رسول الله

STAR
النائب الثاني للمشرف العام
النائب الثاني للمشرف العام

ذكر
عدد المشاركات : 114651
العمر : 31
رقم العضوية : 31
قوة التقييم : 186
تاريخ التسجيل : 08/03/2009

http://tamimi.own0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى