منتديات عيت ارفاد التميمي
أهلاً وسهلاً بك عزيزي الزائر في منتديات عيت أرفاد التميمي .. تفضل بالدخول ان كنت عضواً وبالتسجيل ان لم يكن لديك حساب وذلك للحصول علي كامل المزايا ولمشاهدة المنتديات المخفية عن الزوار..
إعلانات المنتدي

الأخوة الزوار

سجل فوراً في منتديات عيت أرفاد التميمي لتنال احقية مشاهدة اخبار المنطقة ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في التميمي - اخبار المنطقة محجوبة عن الزوار

الأعضاء الكرام

الكلمة الطيبة صدقة والاحترام المتبادل تاج علي رؤوسكم وتذكروا قول الله عز وجل !! ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
المواضيع الأخيرة
» غرفة تحرير أجدابيا ودعم ثوار بنغازي.
اليوم في 2:21 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» من دحر الارهاب اليوم .
اليوم في 2:18 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» القبض على العميد عبد السلام العبدلي
اليوم في 2:14 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» بن جواد الان
اليوم في 2:11 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» العثور على مئات القبور لكلاب داعش
اليوم في 2:05 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» خروج أرتال مسلحة مدججة بالسلاح
اليوم في 1:51 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» اخبار عن
اليوم في 1:50 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» أخبار الآن تكشف ارتباط داعش في سرت وبنغازي
اليوم في 1:45 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» خبر
اليوم في 1:42 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» غرفة عمليات سرت الكبرى تطمئن الجميع
اليوم في 1:40 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» موقع كندي يفجر قنبلة.. 6 دول تدعم "داعش"
اليوم في 1:17 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» سلاح الجو الليبي يشن غارات جوية
اليوم في 1:15 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» المهدي البرغثي أعطي الأوامر بالهجوم علي الهلال النفطي
اليوم في 1:14 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» غرفة_عمليات_اجدابيا_وضواحيها
اليوم في 1:12 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» محاولة استهداف خزانات النفط
اليوم في 1:11 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم


نشـــأة الســكك الحــديـدية فـي لـيبيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نشـــأة الســكك الحــديـدية فـي لـيبيا

مُساهمة من طرف بوفرقه في 2010-11-07, 10:06 am


أخبار ليبيا: مـقـدمــة: إن سياسة التوسع الإقليمي التي مارستها بعض الدول الاستعمارية الأوربية في قــارتي آسيا وإفريقيا إبـان القرن الميلادي التاسع عشر كانت من ضرب جديد إذا ما قورن بضروبها السابقة وذلك تبعا للمستوى التكنولوجي الرفيع الذي بلغته هذه الدول، علما بأن النمو الصناعي – الذي حققته ــ كانت آثاره كبيرة الأهمية بفضل عكوف العُلماء والتقنيين فيها على العمل معاً بصورة وثيقة مترجمين – على هذا النحو – معارفهم النظرية إلى منجزات عملية.
وتبعا لذلك ظهرت إلى حيز الوجود مصانع عملاقة انتشرت منتجاتها على نطاق واسع شمل أقطار الدنيا قاطبة. وكان من شأن هذا الأمر أن عرّض إيقاعات حياة البشر ذاتها لتحوّل تدريجي رتيب وذلك بحكم الهجرة من الأرياف إلى المدن، تلك الهجرة التي كانت متنفساً لجماهير غفيرة من الناس.
ومما ساعد على ذلك ظهور وسائل جديدة للنقل والاتصال جعلت الترحال وإرسال وتبادل الأخبار فيما بين أقطار العالم من السرعة بمكان.
فبفضل هذا التقدم أخذت الدول الاستعمارية توسع دائرة سيطرتها في ربوع القارة السمراء وبالأخص في مناطقها النائية عن سواحل المحيطين الأطلسي والهندي ولم تطأها بعد أقدام المستكشفين البيض.
وإذ قدر على رواد الاستعمار العمل في أقاليم موبوءة بشتى الأمراض والآفات وخلو من الطرق وإذ كان الاعتماد في النقل والترحال بأرجائها على الدوابّ لم تلبث أن كانت الحاجة ماسة لبديل حديث تمثل في السكك الحديدية التي مكنت المستعمرين من التوغل في هذه الأقاليم وأدت بالتالي إلى بسط سيطرتهم عليها واستغلال شتى خيراتها.
فكان من تبعات ذلك – بطبيعة الحال ــ انتقال التكنولوجيا من أوربا إلى إفريقيا: الأمر الذي ربما انطوى على معنى خاص من شأنه أن يساعد على قراءة أسرار الاستعمار وفك رموزه.
إن السكك الحديدية بالمستعمرات ــ خصوصا إذا كانت موضع مشاريع كبيرة – قد أثارت مناقشات ومجادلات بين التقنيين والاقتصاديين من حيث أساليب إنشائها وطرق إدارتها. وقد شكلت – فضلا عن ذلك في نهاية الأمر – عامل تنافس شديد بين الدول الاستعمارية الكبرى.
فمن قبل أن تضع قضباناً على الأرض بادرت هذه الدول الاستعمارية الكبرى إلى وضع خطط لاستراتيجياتها التوسعية التي استفادت منها لاحقا في بسط نفوذها السياسي والاقتصادي بالأقطار الجديدة التي أخذت تضمها شيئا فشيئا إلى إمبراطورياتها.
لقد حظي هذا الموضوع باهتمام المؤرخين في بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. أما في ايطاليا فلم يهتم المؤرخون ــ على ما يبدو ــ كثيرا بموضوع السكك الحديدية التي أنفقت دولتهم أموالا طائلة على إنشائها في مستعمراتها رغم ما توفره دور المحفوظات التاريخية من وثائق. وقد يعزى هذا الأمر إلى الفراغ العام المتعلق بتاريخ التكنولوجيا مع العلم بأن سنة 1996 شهدت صدور كتاب في هذا المجال عن دار الاصدرات العلمية الايطالية كان عنوانه " الاستعمار والمواصلات : السكك الحديدية بأفريقيا الايطالية 1887/1943" من تأليف س. مادجي. وقد يعزى الأمر ذاته إلى أن الشبكات التي أنشأتها ايطاليا في مستعمراتها كانت محدودة النطاق إذا ما قورنت بما أنجزته دول أوربية أخرى في الأقطار التي استولت عليها.
وبهذا الصدد لا مناص من الإشارة إلى المجلد الوثائقي من السلسلة "ايطاليا في أفريقيا"L’Italia in Africa) ) التي تؤرخ لما أنجز في مجال الأشغال العامة، ذلك المجلد الذي قيل إنَّه يتضمن فصولا شتى في هذا المضمار غير أنَّه لم يصدر قط وهكذا صار محتواه في طي النسيان ولم يتسن بالتالي للمؤرخين وعامة القراء الاطلاع عليه والاستفادة منه.
وعليه فإن أهمية موضوع إنشاء السكك الحديدية في بلادنا قد شدّدت حرصي على تناوله في محاولة لتوثيقه ولو في عجالة معتمدا على قله قليلة من المصادر الإيطالية التي أمكنني الوصول إليها والإطلاع عليها.

شبكة الطـرق الحديدية فـي طرابـلس:
بعد هذه المقدمة التاريخية انتقل إلى تناول صلب الموضوع. لقد مني الايطاليون بخيبة أمل كبيرة حين أقدموا على غزو الأراضي الليبية يوم 5 أكتوبر1911 دون إعارة أي اعتبار لمقاومة قد تواجههم وقد واجهتهم فعلا إذ كانوا يتوقعون – خطأ ــ أن مغامرتهم من السهولة بمكان، وعلى حد قول بعضهم، بمثابة "نزهة بحرية" وكانوا يتوقعون كذلك ترحيب الأهلين بقدومهم واستقبالهم لهم بالأحضان.
وليس من شك في أن جهاز استخباراتهم كان قد ثابر قبلئذ في سبيل تجميع ما وسعه من شتي المعلومات المتعلقة بأوضاع البلاد وبأحوالها الاقتصادية والاجتماعية وبتركيبتها السكانية وبإمكانياتها الزراعية وبقدراتها الدفاعية وما إلى ذلك من العناصر المهمة الأخرى التي كان يقتضيها التأهب لتنفيذ مغامرة الاحتلال. ومن المفترض أن كان عملاء الجهاز المذكور على دراية أيضا بأن الدواب نحو الخيول والبغال والجمال كانت لا تفي بحمل ونقل الرجال وأثقال السلاح والعتاد والميرة وبملاحقة المقاومين لمسافات طويلة وبالسرعة المطلوبة في قطر مترامي الأطراف وخِلو من الطرق المناسبة.
كما لم يأخذ هؤلاء العملاء في الحســبان أن الشاحنات والمصفحات والآليات الأخرى ــ التي أتى بها الغزاة المعتدون – كانت غير قادرة على السير في المسارب وطرق القوافل المغمورة بالرمال والمشوبة بالمطبات.
ففي ضوء الحقائق السالف بيانها ما كان للإيطاليين بد من الاهتمام منذ البداية بتمهيد ــ وأحيانا برصف ــ ما كان لازما من الطرق وذلك إلى جانب اهتمامهم بتطوير سقالة الحلفا إلى ما يشبه المرسى لتنزيل قواتهم إذ كانت طرابلس عصرئذ خلوًا من ميناء بهذا المعنى.
هذا ولعلها من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن تنظيم حركة الجهاد قد أدى إلى تدهور الأحوال الأمنية وبالتالي إلى عرقلة توغل الغزاة في البلاد التي استغرقت حرب احتلالها عقدين من الزمن والتي لم يدم حكمهم لها بعد الحرب – لحسن الحظ ــ سوى إحدى عشرة سنةً تقريبا.
ففي واقع الأمر بعد أن انتهت من خوضها معارك مشهودة بشارع الشط وسيدي الهاني وسيدي المصري وبومليانة، أخذت القوات الايطالية تطارد المقاومين الذين صمدوا في باديء الأمر في واحة عين زارة حيث جرت معركة حامية الوطيس كادوا يخسرنها إذ لم يتمكنوا من نقل الإمدادات إلى ميدان القتال بالسرعة المطلوبة لأن شاحناتهم وآلياتهم كانت غير قادرة على السير في مسارب مغمورة بالكثبان الرملية وتشوبها المطبات.
فللتغلب على هذه المعضلة وإحتداء بما صنعته الدول التي سبقت لها تجارب في مجال الاستعمار، رأى قائد الحملة الجنرال كانيفا أن يستفيد من تجاربها.
فلم يلبث أن اتصل بوزارة الحربية في روما شارحا لها الظروف الصعبة التي ظلت تمر وتوقع أنها ستمر بها قواته مقترحا اللجوء – بسرعة ــ إلى إنشاء خط حديدي لإسعاف الوحدات المقاتلة في الواحة المذكورة بالإمدادات اللازمة. فلم يكن للوزارة بد من الموافقة على الاقتراح المذكور. فنشأت عن هذا الظرف – في الظاهر ــ فكرة بناء شبكة من الطرق الحديدية تشمل مناطق أخرى شهدت – في وقت لاحق ــ كثيرًا من الكر والفر والمعارك الطاحنة.
وعلى إثر ذلك عكفت الجهات المعنية على بحث الموضوع وبعد الاستئناس برأي إدارة السكك الحديدية في روما استقر الرأي على أن تتولى الأخيرة تنفيذ مشروع إنشاء شبكة من الطرق الحديدية في كل من طرابلس وبرقة.
وبالنظر إلى حالة الاستعجال اقترحت الإدارة المذكورة أن تكون الخطوط المراد إنشاؤها من مقاس 95 سنتمتراً وهو المقاس الذي كان لديها منه مخزون هائل كاف من القضبان والعوارض الخشبية والقاطرات والعربات المدرعة وغير المدرعة وشتى اللوازم الأخرى في جزيرة صقليا حيث كان يجري فك واستبدال آخر ما تبقى منها ثابتا على الأرض بأخرى من مقاس أكبر أسوة بما جرى في سائر أقاليم ايطاليا والأقطار الأوربية الأخرى.
فقبلت الجهات المعنية هذا الاقتراح واعتمدت وزارة الحربية على الفور الأموال اللازمة وباشرت إدارة السكك الحديدية المذكورة أعمال المسح والتخطيط والإنشاء وتولت شيئا فشيئا عمليات التسيير – في بادئ الأمر ــ بالتعاون مع السلطات العسكرية التي كانت لهــا – بطبيعة الحال ــ الكلمة العليا لأن البلاد كانت في حالة حرب.
ففي واقع الأمر – بعد موافقة الحكومة ــ عقد في يوم 4 يناير 1912 اجتماع بقلعة طرابلس حضره مندوبون عن السلطات العسكرية وعن إدارة السكك الحديدية، تقرر في أثنائه القيام فورًا بمد الخط الحديدي المطلوب الذي بدأ – بطبيعة الحال ــ من سقالة الحلفا مرورًا بشارع جامع المغاربة وبمحطة لاكاردو وشارع الصمعة الحمراء وسيدي المصري ثم – ابتداء من الفرناج –لف نحو الجنوب إلى واحة عين زارة.
لقد بوشرت الأعمال التمهيدية في الحال ولم تمض عشرة أيام حتى أخذت تصل الشحنات الأولى من المواد اللازمة وقد جاء على ظهر إحدى البواخر المهندس المكلف بالإشراف والطبيب الذي عُهد إليه برعاية صحة العاملين المستقدمين من ايطاليا وكان يبلغ عددهم 155 فنيا، كما وصلت شحنات تنطوي على أجزاء الأكواخ الخشبية الخاصة بإسكانهم وأدوات الطبخ والمواد الغذائية اللازمة لإعاشتهم مع كل ما كان ضروريا لمباشرة الأعمال دونما تسويف.
إن فصل الشتاء كان في أوجه فترتبت على ذلك رداءة الأحوال الجوية واضطراب البحر وعتو أمواجه: الأمر الذي حتم صعوبة ومخاطر عمليات تفريغ البواخر وتنزيل حمولاتها بواسطة عوامات.
وكما سبق لقوات الحملة استخدام وسائل بدائية لتنزيل الجنود والدواب والسلاح والعتاد، هكذا كان تفريغ مواد السكك الحديدية باستثناء القاطرات والعربات التي تَطلب تنزيلها من على ظهر البواخر استعارة رافعة عائمة ذات (50) خمسين طنا من سلاح البحرية جيء بها وهى مجرورة من ايطاليا إلى طرابلس علما بان متوسط وزن القاطرة الواحدة من القاطرات المدرعة والعادية التي أحضرت كان يبلغ (سبعة وثلاثين) 37 طنا!
ومع كل هذه الظروف الصعبة أمكن الشروع في مد قضبان خط عين زارة الذي دعت الحاجة في بداية الأمر إلى نقل مواده إلى موقع العمل على عربات مسطحة صغيرة غير آلية كانت تجرها الجمال على القضبان. وبحلول يوم 17 مارس 1912– أي بعد نحو شهرين من وصول فريق الفنيين من إيطاليا – دُشّن الخط بين المرسى ومعسكر عين زارة بطول قدره 11.450 كيلومترا ويجوز القول بأن ذلك كان أول حدث من نوعه تشهده ليبيا على الإطلاق. هذا وحري بالذكر أن السلطات العسكرية قد أسهمت في الأعمال بعناصر من سلاح المهندسين وبوفرة من جنود الوحدات الأخرى.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن حاجة السلطات العسكرية قد حتمت – في مطلع مرحلة الإنشاء – سلوك مسارات معينة وتطبيق أساليب تقنية محددة بهدف ضمان تسهيل وصول الإمدادات ــ في أمن وأمان وبسرعة ــ إلى الوحدات البرية الزاحفة صوب الدواخل وعلى طول الشريط الساحلي.
وإذ صارت تسير الأعمال بخطى حثيثة، بوشر يوم 20 مارس 1912 في مد خط ثان غربا بين طرابلس وقرقارش بطول 8.450 كيلومترات وكان الانتهاء منه بعد (31) يوما.
أما الجزء التالي الممتد غربا من قرقارش إلى جنزور بطول قدره 9.050 كيلومترات فقد تطلب أعمال تسوية وصادفته ظروف أمنية عويصه إذ كثيرا ما كان عرضة لهجمات المجاهدين. كان معدل الإنجاز فيه 300 متر في اليوم علما بأن الأعمال قد بوشرت في يوم 9 أغسطس 1912 وانتهت في 5 سبتمبر 1912.
ومع انتشار رقعة الاحتلال انتقل العمل بعدئذ إلى الخط الثالث الممتد جنوبا من مفترق الغيران إلى السواني بطول قدره 19.915 كيلومترا وإذ استغرق المدة من 28 نوفمبر 1912 إلى 14 يناير 1913 كان إنجازه بمعدل 360 مترا يوميا. وتلاه إنشاء الجزء الذي ربط بين السواني والعزيزية بطول قدره 21.449 كيلومترا وقد استغرق تنفيذه المدة من 3 يناير 1913 إلى 12 فبراير 1913 بمعدل 523 مترا في اليوم، علما بأن مناوشات محلات المجاهدين بهذه المنطقة أيضاَ قد تطلبت إنجاز الأعمال تحت حراسة جنود من سلاح المهندسين وآخرين من كل من سلاح المشاة ووحدة القناصة.
ولعله من الطريف القول – عرضا ــ أن سنة 1913 شهدت تعيين المدعو أغوسطينو لورنزيني (Agostino Lorenzini) كأول رئيس لمحطة طرابلس وبعد سنة لحقت به أسرته المؤلفة من زوجته وابنيه اللذين كان أحدهما - ويدعى ماريو أوْغوسطو Mario Augusto) ) قد انضم – وكان لا يزال في السابعة عشرة مـن عمره – إلـى العمل كمشرف بمشروع إنشاء خط طرابلس / العزيزية. وفي مقال عن هذا الخط نشرته له المجلةAfrica" ’L’Italiani d" (إيطاليّو أفريقيا) بعددها الصادر في شهر مارس 2005، يقول الأخير إن والده توفي في سنة 1960 وأنه كان ــ قبل ارتحاله ــ كثيرا ما يتحف الأسرة بسرد ذكريات الفترة التي قضاها – وهو لا يزال في مقتبل العمر ــ بطرابلس حيث أمضى جزءاً من حياته معربا عن حنينه إليها وأنه كثيرا ما كان يراوده حلم العودة إلى هذه الحاضرة كما لا زال يراود الابن الراويَ أيضا الذي يرغب في تحقيق أمنيّة أبيه للإطلاع على ما شهدته البلاد – في هذه الأثناء ــ من تطورات في شتي المجالات.
هذا واستئنافا للحديث لابد من الإشارة إلى أنه في أعقاب ابتعاد ساحات القتال وزوال أخطاره عن المنطقة قد تقرر إلغاء الخط الفرعي الذي سبق إنشاؤه أصلا للربط بين مفترق الفرناج وعين زاره بطول قدره 3.630 كيلومترات. كما أنجزت دراسة إمكانية تمديد الخط بين طرابلس وجنزور إلى زوارة.
هذا وحري بالذكر أنه في أعقاب الانتهاء من مد الخط الجنوبي من السواني إلى العزيزية نشأ خلاف حول ضرورة تمديده إلى ما بعد قصر غريان، وكان من الطبيعي أن تدرس مسارات مختلفة لهذا الخط بالاتفاق مع السلطات العسكرية، علما بأن الضرورة كانت تقتضى أيضا التوفيق – بقدر الإمكان – بين المتطلبات الآنية لظروف الحرب وبين متطلبات حالة السلم مستقبلا وذلك لكي يصبح كل ما ينجز في الحال صالحا في المآل أيضا.
إلا أن هذا الخلاف لم يحسم جراء احتشاد كتائب المجاهدين بقيادة سليمان الباروني في الجبل واقتصرت الدراسة على الجزء الواقع بين العزيزية وبئر كوكه بطول قدره 12.861 كم. وعندئذ قررت السلطات العسكرية أن تنقل قدرا من العتاد والسلاح والمؤن والمركبات الآلية إلى العزيزية لإسعاف الوحدات العاملة في غريان.
هذا ومن جهة أخرى فإن الجزء بين طرابلس وجنزور الذي انتهى إنشاؤه في 18 سبتمبر 1912 قد أمكن في اليوم التالي تسيير 16 قطارا يوميا عليه لنقل حوالي ستة آلاف جندي مع كل ما لزمهم من سلاح وذخيرة وعتاد ومؤن ودواب وماء وغير ذلك استعدادا لخوض غمار معركة جنزور.
ولم يمض يومان على ذلك حتى بدأ القتال والتحم الجانبان وقد أستوجب هذا الأمر تسيير قطارين آخرين محملين بالسلاح والعتاد والدّواب والماء، وفي رحلة العودة إلى طرابلس قد جُهز القطاران لنقل 274 جنديَّا جريحا رافقهم طبيب السكك الحديدية لبذل ما يحتاجونه من عناية أثناء الرحلة. ولأجل هذه المعركة قد نقل مزيد من الجنود وحوالي ثلاثة آلاف وثلاثمائة طن من الإمدادات.
ومن الحري بالملاحظة أن السلطات العسكرية نظمت رحلات لنقل الحجارة من مقالع عين زارة وقرقارش للإنشاءات القائمة في الميناء وكذلك لإقامة السور الدفاعي (الكردون) الذي ــ على إثر معارك المنشية ــ طـوّقت به الأرياف المحيطة بالحاضرة التي حدد هو نطاق توسعها وتطويرها العمراني فيما بعد، علما بأن بناءه استغرق نحو حولين من الزمن (1912- 1914).
وقد ارتؤي في وقت لاحق ــ كما سنرى ــ تفضيل استبعاد الجانب العسكري من المشاركة في عمليات إنشاء الطرق الحديدية وإدارتها، تلك المشاركة التي كانت قد أملتها في بادئ الأمر عوامل إستراتيجية ولوجستية. وقد رأي بعض المسئولين أن استخدام الجنود وإن كان – في الظاهر ــ اقتصاديا قد يلهيهم عن مهامهم الأساسية وقد يؤدي بالتالي إلى زيادة عددهم أكثر مما كان يتطلبه المضي في احتلال المستعمرة والدفاع عنها.
فبناء على ذلك وضعت خطة لإنشاء سكك حديدية جديدة وقد رأى المسئولون من الأنسب البدء بتطويل الخطوط التي تم حتى ذلك التاريخ إنشاؤها في اتجاهات ثلاثة شرقا وغربا وجنوبا. وقد لاحظ هؤلاء أن عديد الواحات الخصيبة كانت تقع على طول الساحل ابتداء من الحدود التونسية غربا إلى قصر أحمد بمصراتة شرقا وكانت عامرة بالسكان المستقرين المشتغلين بفلاحة الأرض وتربية المواشي ومزاولة بعض الحرف و الصناعات التقليدية.
وقد لاحظوا كذلك أن خلف الشريط الساحلي كانت تمتد الجفارة وهي منطقة شبه قاحلة تقوم جماعات من البدو الرحل بزرع الحبوب فيها متى توفرت الأمطار إذ أنها كانت خالية من مصادر المياه. ويحد هذه المنطقة الجبل الذي كان التوزيع السكاني في ربوعه أقل كثافة وكان يحتوى على واحات متناثرة مزروعة تقطنها مجموعات صغيرة من البدو.
ولدى تسلم الإدارة المدنية لمهامها في 30 أبريل 1913 بلغ إجمالي طول الخطوط المنجزة في ذلك التاريخ نحو 93 كم.
هذا وتجدر الإشارة إلى أنّ أواخر سنة 1912 قد شهدت حلول إدارة مدنيّة محل الحكم العسكري في جزء كبير من نواحي القطر الطرابلسي وقد بذل منذئذ مزيد من الاهتمام بمرفق السكك الحديدية.
فإلى جانب الدواعي الحربية كانت هناك كذلك دوافع سياسية ومصالح اقتصادية تستوجب الاستمرار والتوسع في إنشاء شبكة السكك الحديدية وإفساح مجال استعمالها أمام القطاع الخاص. وكانت هناك قناعة بأن الإيرادات كافية – ولو جزئيا ــ لتغطية تكاليف الإدارة والتشغيل والصيانة.
ومما لاحظته السلطات الحاكمة تقدير الأهلين لفوائد وسيلة النقل الجديدة هذه وإقبالهم على استعمالها في ترحالهم ونقل أغراضهم ومنتجاتهم.
وقـد بدا جلياً للمستعمر أن تحسين المواصلات بين العاصمة ودواخل البلاد والواحات الساحلية كان من شأنه أن يؤدي إلى إعادة تنشيط الحركة التجارية التي قد تعطى – في يوم من الأيام ــ ثمارها فتؤدي إلى تهدئة نفوس الأهلين وتطمينهم وتحسين أحوالهم الاقتصادية وبالتالي إلى خضوعهم لسلطانه.
ومما لا ريب فيه أن ظروف الحرب واستماتة المجاهدين ومقاومتهم للغزاة وانعدام طرق مرصوفة في البلاد قد حتمت المضي في أنشاء الطرق الحديدية وتشغيلها رغم كل الصعوبات المترتبة على ذلك.
هذا وقد رأى المسئولون أن الضرورة كانت تدعو إلى تطويل الخط الغربي إلى حدود تونس وأن انعدام مواصلات سهلة بين المدن الغربية والعاصمة ومينائها قد يدفع بسكان المنطقة إلى تفضيل المتاجرة مع الأسواق التونسية على حساب الاقتصاد المحلى. فإذا ما تحقق كل ذلك أمكن – في رأيهم ــ بلوغ الأهداف العسكرية والسياسية والاقتصادية المباشرة : الأمر الذي كان من شأنه طمأنة السكان المحليين وتوسيع نطاق المساحات المزروعة سواء على أيديهم أو ــ إن لزم الأمر ــ على أيدي مستوطنين إيطاليين ــ كما حصل بالفعل في وقت لاحق ــ وكان من شأنه أيضا أن يفتح سبل التواصل بين أفراد الجالية الايطالية بتونس وبين بني جلدتهم المستوطنين في إقليم طرابلس، علما بأن عدداً من المشتغلين في الزراعة من تلك الجالية قد انتقلوا من الخضراء إلى طرابلس حيث أفسحت لهم السلطات مجال العمل وقدمت لهم المساعدات المادية والمعنوية.
وكان من المستهدف أيضا تمديد خط تاجوراء القائم إلى القصبات ثم إلى الخمس وزليتن وقصر أحمد لاسيما إذا عرج هذا الخط أولا على ترهونة التي تشكل منطقة خصيبة وآهلة بالسكان.
وما كان يشك المستعمر فيما قد يجنيه من فوائد عسكرية واقتصادية لو أمكن مد الخط الجنوبي ابتداء من العزيزية إلى أعالى الجبل، وهو الخط الذي بدا من الضروري تنفيذه ــ أولا ــ حتى غريان وذلك لكي يمكن التوغل في الجبل الغربي ومن ثم الوصول به إلى غدامس ــ عبر مزدة ــ وإلى سرت عبر سوكنه. وفي كل الأحوال أضحت من الضرورة بمكان الاستفادة بقدر الإمكان من الخطوط القائمة التي كانت تشكل العمود الفقري لشبكة الطرق الحديدية في القطر.

وعودا إلى الحديث عــن الأعمال الجارية على طــول الواحات الساحلية قد لوحظ أن الخط الممتد من جنزور إلى الزاوية مرورا بصياد والماية وقرقوزة والعريوي كان يخترق أرضاً جرداء وغير منبسطة ولذلك تعذر أن يكون هذا الخط مستقيما، وقد استلزم أعمالا تمهيدية عويصة تبعا لتراكم الكثبان الرملية في بعض أجزائه جراء تعرض المنطقة لهبوب الرياح التي كثيرا ما كانت تتسبب ــ بعد إنجازه ــ في تعرية عوارض القضبان وبالتالي إلى توقف الحركة عليه.
وإضافة إلى ذلك كان الحرص بقدر الإمكان شديدًا على تجنب اختراق الواحات للحيلولة دون إلحاق أضرار بالحقول المزروعة وذلك في محاولة لتشجيع سكان المنطقة على مضاعفة جهودهم في سبيل تنمية الإنتاج الفلاحي.
ولكن رغم كل هذه المشاكل قد أمكن في خاتمة المطاف مواصلة الأعمال وإنجاز الخط المبرمج بأكمله حتى مدينة الزاوية التي كان افتتاح محطتها يوم 1 مايو 1914 وقد جرى بهذه المناسبة احتفال بهيج شارك فيه مشايخ القبائل وسكان المنطقة.
أما المرحلة التالية فقد تمثلت في تمديد هذا الخط إلى مدينة زوارة عبر صبراتة والعجيلات وما سبقهما وتلاهما من محطات ثانوية.
ففي محاولة لاٍستكمال هذا الخط في غضون سنة 1914 ذاتها قد بذلت جهود كبيرة وتم توظيف عدد وفير من العمال المحليين والايطاليين وجري تقسيمهم إلى فرق أنيط بكل منها إنشاء جزء منه. وبتاريخ 11 يوليو 1914 ــ حين كانت زوارة على بعد 13كم فقط ــ صدرت الأوامر بإيقاف الأعمال جراء نشوب معارك بين الغزاة ومحلات المجاهدين ولكنها استؤنفت وأنجزت في فترة لاحقة عندما استقرت الأحوال الأمنية.
هذا واستئنافا للحديث عن الخط الجنوبي لعله من المفيد الإشارة إلى أن هذا الخط قد استمرت الأعمال فيه جارية في هذه الأثناء وذلك لأغراض سياسية وعسكرية أكثر منها تجارية، علما بأن إنجاز الخط إلى العزيزية قد أسهم كثيرًا في تخفيف وطأة صعوبات الفترة الأولى من الاحتلال إذ استُحدث في هذه المدينة مركز للإمدادات التي كانت تنقل منها إلى بوغيلان، وعبر طريق عَبدها سلاح المهندسين، كانت تطلع بها الشاحنات من بوغيلان إلى غريان.
ونظرا إلى انبساط الأرض بين العزيزية وسفح الجبل حتى بئر كوكا كان لزاما تقرير أفضل مسار ينبغي سلوكه للوصول إلى الجبل. لقد قام الفنيون بجولات استطلاعية ابتداء من بوغيلان وسيدي الشامس سالكين بعدئذ الطريق المؤدية إلى غريان عبر تاكوت ثم إلى سهل بوكنوش الذي يقع إلى شماله جبل منطروس وإلى يمينه سيدي الشامس. فرأى هؤلاء المستطلعون أن سهل بوكنوش كان ملائما لمد خط حديدي، فأنجزت على الفور أعمال المسح والدراسات الفنية وبوشر تنفيذ الأعمال بطريقة اقتصادية.
وإذ أسندت الأعمال إلى فريق من العمال الإيطاليين الذين أثبتوا كفاءتهم من قبل بمواقع أخرى وإذ أعطي هؤلاء صلاحية الاستعانة بأكبر قدر ممكن من العمالة المحلية باشروا العمل في 30 نوفمبر 1914 علما بأن الخط كان يبلغ 12.450 كم طولا ولكنه لم يُـفتح لخدمة الجمهور جراء وقوعه في نقطة معزولة بوسط وادي قطيس المقفر والخالي من السكان ومن الطرق المناسبة. وقد أنشئ في هذا الموقع مبني المحطة الذي أستعمل لتخزين القضبان والمواد الأخرى اللازمة لمواصلة إنشاء الخط مؤقتا إلى وادي الحمراء الذي سبق أن بوشرت دراسته والموافقة عليها منذ 20 فبراير 1914.
وفضلا عن مبني المحطة النهائية بالهنشير الأبيض شمل مشروع هذا الخط محطة مع ملحقاتها المعهودة بالعميرات. ومن قبل أن ترد موافقة الوزارة قد بوشرت أعمال تمهيد المسار ووضع القضبان غير أن سير الأعمال كان بطيئا لأسباب شتي كان من جملتها عزوف العمال المحليين عن العمل في هذه المنطقة المقفرة وتفضيلهم للعمل في النقليات العسكرية التي كانت إذاك وفيرة ومجزية.
وعلى الرغم من كل ذلك ثابر الفريق الايطالي في العمل وتمكن من إنهائه في أواخر شهر ديسمبر 1914 وبحلول 21 يناير 1915 كان افتتاح الخط ابتداء من العزيزية إلى بئر كوكا فقط.
وفي أعقاب ذلك بدأت دراسة الخـط الصاعد إلى غريان، إنما عند التنفيذ قد لوحـظ أن الخط الحديدي الـــذي سبق أن بلغ محطة الهنشـير الأبيض (عــلى ارتفاع 260 مترا) قريبا من وادي الحمراء كان يفتقد فجأة مميزات خط أرض منبسطة متخذاً طبيعة خط جبلي. وقد تحتمت إعادة النظر في المشروع بعناية أكبر وربما تطلب الأمر حفر نفق في الجبل وتزويد الجزء الأخير بقضبان مسننه للتغلب على الانحدار الشديد في المسار وربما كان يتطلب الأمر أيضا بناء جسر على وادي الحمراء.
إن جميع هذه المشاكل كانت تدعو إلى عدم مواصلة الأعمال بصورة اقتصادية بل حتمت إسنادها إلى مقاول بعد جمع كل المعلومات التقنية والإنشائية.
ولكن إلى حين إعداد ما ذُكر كان من شأن ما تم تنفيذه من الخط أن يعوض 32 كم من الطريق غير السوية التي كان على المركبات الآلية الناقلة للإمدادات العسكرية سلوكها من العزيزية إلى غريان ولم يكن بد من مواصلة أعمال الرفع من الهنشير الأبيض – عبر بوكنوش ــ إلى غريان. ولكن بعد تحديد مسار السكة مبدئيا إلى غريان وإنهاء الدراسات إلى الكيلومتر 43 من العزيزية وبعد تجميع كل العناصر اللازمة للمشروع اضطرت فرق العمل في شهر مارس 1915 إلى الانسحاب لدواع أمنية.
في الحقيقة إن ما زاد الطين بلةً وحال دون مواصلة الأعمال كان قيام الحرب العالمية الأولى ومشاركة إيطاليا فيها واضطرارها إلى سحب جزء كبير من قواتها المقاتلة العاملة في ليبيا وإعادتها إلى إيطاليا.
وأخيرا من جملة الأعمال الأخرى التي أنجزت بطرابلس لابد من ذكر مقر المحطة الرئيسية – التي كانت بالشارع الغربي تحت سفح هضبة سيدي أبي منجل – مع ما تبعها من ورش ومخازن ومستودعات وخزانات للماء ومساكن لإيواء أسر الموظفين والفنيين والعمال وكان كل ذلك في إطار المخطط العام للمدينة.
هذا ومما يجدر بيانه أن إنشاء ميناء طرابلس قد بدأ في شهر فبراير 1912 وانتهى في منتصف سنة 1915 علما بان ذلك قد استدعى إنشاء خط يربط بين هذا الميناء ومقالع قرقارش لنقل الحجارة اللازمة وذلك فضلا عن نقلها من مقالع عين زارة.
وبعد إلغاء خطي عين زارة وقرقارش المذكورين دعت الحاجة إلى الإبقاء على الخط الممتد من المحطة الرئيسية إلى الميناء عبر منطقة العيون (شارع المعري حاليا، فِــيّا دانتي سابقا) وذلك لغرض نقل الفحم الحجري المُستورد من وراء البحر والذي كان يشكل ــ بالدرجة الأولى – وقــــود القاطرات البخـــارية ووقود محطة "ماركوني" لتوليد الطاقة الكهربائية التي يحتل فندق كورنيثيا موقعها في الوقت الراهن. وتبعا لإنشاء هذه المحطة الرئيسية أصبحت محطة "لاكاردو" مجرد محطة ثانوية يتفرع منها مباشرة خط تاجوراء الذي كان قد تفرع منه – ابتداء من مفترق الفرناج ــ خط عين زارة المشهور الذي تم في وقت لاحق ــ كما سبق القول ــ إلغاؤه علما بأن من خط تاجوراء كان ينطلق فرع باتجاه الملاحة.
إن كل ما تقدم قوله يتعلق بإقليم طرابلس الذي اختلفت فيه طبيعة الأرض وظروف العمل ونشاط المقاومة المسلحة عما كانت جميعها في إقليم برقة. ولذلك كان نصيبه من الطرق الحديدية أوفر نسبيا حيث بلغ نحو 250 كيلومترا.

شبكة الطـرق الحديدية فـي بـرقة:
أجل، أن الأسباب الحربية ذاتها التي سبق ذكرها بالنسبة إلى الشق الغربي من الوطن دعت إلى مد السكك الحديدية في شقه الشرقي ومما يؤسفني جدا أن شُحّ زادي من المعلومات لم يُمكنّي من تناول موضوعها بشيء من الإسهاب.
ولعله من الطريف ذكر أن قصب السبق كان لبرقة في إنشاء أول خط للسكة الحديد وكان ذلك في سنة 1901، أى في أواخر عهد الحكم العثماني الثاني. إنه كان خطًا قصيرًا بناه الأتراك في مدينة بنغازي للعمل بين الميناء ومحجر ضاحية البركة.
لقـد شهدت سنة 1913 استقدام فريق من الفنيين من إيطاليا لتولى مباشرة الدراسات التمهيدية وذلك على إثر قيامهم بجولات استطلاعية خاطفة في المنطقة الواقعة بين بنغازي والمرج وكان ذلك تحت حراسة مسلحة مشددة جراء الاشتباكات القائمة بين أدوار المجاهدين والغزاة المعتدين. وفي ذات الوقت جرى التشاور مع السلطات المحلية المسئولة عن مخطط بنغازي والتنسيق معها في شأن مسارات الطرق الحديدية التي تقرر أن تخترق وسط هذه الحاضرة وكذلك في شأن اختيار وتحديد موقع لإقامة مقر المحطة الرئيسية عليه.
وأسوة بما حصل في طرابلس تم في السنة ذاتها تعيين رئيس لمحطة بنغازي تابع لرئيس محطة طرابلس. إن أول خط تم إنشاؤه كان لربط موقع المحطة المذكور آنفا بالمرسى مع العلم بأن الظروف قد حتمت هنا أيضا ــ أسوة بما حصل في طرابلس ــ جلب رافعة عائمة عملاقة من إيطاليا لتنزيل القاطرات بالدرجة الأولى.
هــذا من ناحية، ومــن ناحية أخرى كان إنجاز العمل على مرحلتين تمثلت إحداهما في تمهيد المسارات على الأرض ــ وهي المرحلة الأسهل تنفيذا – وتمثلت الأخرى ــ وهي الأصعب تنفيذا ــ في تثبيت القضبان على العوارض التي لم تكن كلّها خشبية ــ كما في طرابلس ــ وإنما اقتضت الضرورة أن يكون بعضها خراسانية.
هذا ولما ضعفت المقاومة – نوعا ما ــ في المنطقة الساحلية، تحول نشاط أدوار المجاهدين إلى الجبل الأخضر الذي كان وما برح أخصب وأجمل مناطق برقة وأكثرها سكانا. فلم يكن للغزاة بد من إنشاء بعض الحاميات على تلاله لتيسير مكافحة المقاومة مع العلم بأن تزويد هذه الحاميات بالإمدادات اللازمة قد اقتضى العمل فوراً على مد طريق حديدي يربط بين بنغازي والمرج.
بتاريخ 5 فبراير 1914 تمت الموافقة على مشروع إنشاء الجزء الأول من هذا الطريق وكان يمتد من العاصمة إلى الرجمة بطول قدره نحو 30 كيلومترا وقد روعي أن يكون مساره تحت حماية الحصون المجاورة، وعلى الرغم من كل الصعوبات جرى تدشين هذا الخط بتاريخ 20 سبتمبر 1914 ولم يتيسر تمديده إلى الابيار إلا في سنة 1927 بحيث بلغ طوله آنئذ 60 كيلو مترا.
ومن الأعمال الأخرى التي شهدتها بنغازي في هذه الأثناء بناء بعض الجسور وذلك لتمرير مياه السبخة من تحت الموقع الذي اختير لإنشاء المحطة الرئيسية كي تصب رأسًا في البحر.
وحري بالذكر أن أسلوب العمل و نوعية المواد والتجهيزات والقاطرات والمقطورات والتصاميم الإنشائية وغيرها كانت مطابقة تقريباً لمثيلاتها في القطر الغربي. ومما عاق سير وتقدم الأعمال تأخر وصول القاطرات والعربات وصعوبة تنزيلها بسبب اضطراب البحر.
وإذ وردت الموافقة على مشروع إنشاء مقر محطة بنغازي وملحقاتها قد اسند تنفيذه إلى أربع شركات مقاولات إيطالية معروفة، علما بأن تصميمها كان مطابقا تماما لمقر محطة طرابلس، وعين التطابق حصل في تصميم بعض المحطات الصغرى الأخرى، علما بأن المهندس الذي قام بوضع تصميمها قد راعى في ذلك الظروف المناخية السائدة في البلاد.
ومع نشوب الحرب العالمية الأولى قد أصيبت أحوال الأسواق بالاضطراب وتأثرت الأحوال السياسية بالساحل الرابع ودعت الحاجة – في خاتمة المطاف ــ إلى انسحاب القوات الايطالية من دواخل البلاد فأدي كل ذلك إلى توقف أعمال مد السكك الحديدية التي شاب تقدمها في برقة أيضا تدهور الأحوال الأمنية.
وجدير بالذكر أن سنة 1926 شهدت إنجاز خط يربط بين بنغازي وسلوق بلغ طوله 56 كيلومترا. وكان في برنامج السلطات الاستعمارية تمديده إلى مدينة إجدابيا التي كانت تعتبر عصرئد محطة على جانب من الأهمية لتجارة القوافل وكانت واردة فكرة ربط هذه المحطة بطريق حديدي إلى واحة أوجلة في الجنوب.
وليس ذلك فحسب بل كانت واردة كذلك – في المدى البعيد ــ فكرة مد خط آخر من إجدابيا – في اتجاه الغرب – إلى قصر أحمد عبر البريقة والعقيلة والنوفلية وسرت وبويرات الحسون وبوقرين بحيث يتم الربط بين شبكتي برقة وطرابلس.
وبعد القضاء على المقاومة وشنق رمزها الشيخ عمر المختار رحمة الله عليه بُذلت أسوة بما حصل في طرابلس عناية كبيرة بتحسين عربات الركاب والقاطرات وتجهيزات الورش وأوضاع المخازن والمستودعات وأنشئت مباني المحطات والمساكن لإيواء أسر العاملين على اختلاف فئاتهم.

وإتماما للفائدة أرى إيراد الملاحظات العامة التالية:
1. إن طريقة العمل ونوعية التجهيزات والقاطرات والمقطورات ومستوى الخدمات كانت متماثلة في القطرين الشرقي والغربي.
2. في منتصف ثلاثينيات القرن الميلادي الماضي شهد هذا المرفق تتطورا حين أدخل في الخدمة مزاحم للقطار البخاري المعهود كان يسمى Littorina (ليتّورينا) وهو قطار يعمل بالديزل ويتألف من عربة طويلة واحدة في مقدمتها وفي مؤخرتها مقصورة للقيادة، كما يتميز بالسرعة وبالنظافة لأن محركه كان يعمل بزيت النفط وليس بالفحم الحجري. ولذا نال إقبال الركاب عليه وتفضيلهم له وإن كانت تذكرة ركوبه أغلى.
3. ظلت تعمل السكك الحديدية زهاء نصف قرن من الزمن، ثم أخد يتدنى مستوى خدماتها في أعقاب الحرب الكونية الثانية بسبب قلة التمويل اللازم لقطع الغيار والصيانة إلى أن انتهى بها الأمر تدريجيا إلى تقليص نشاطها فتعطيلها.
4. مع تكاثر وانتشار المركبات الآلية قد استعيض عن السكك الحديدية بالطرق المعبدة التي أصبحت تربط شبكتها اليوم بين أهم المدن والقرى المنتشرة في شرق البلاد وغربها وفي شمالها وجنوبها.
5. إن مد السكك الحديدية في القطر الغربي قد تزامـن مع إنشاء ميناء طرابلس بمنارته وأرصفته ومخازنه ومستودعاته ومكاتب إدارته وبمحطة الحجر الصحي ومرافقه الأخرى وكانت جميعها تطل على حوضه الرحب الآمن المحفوف بحاجز متين يحميه من أمواج البحر العاتية وتياراته الجارفة، علما بأن سوء الظروف الأمنية قد حال ــ في بادئ الأمر– دون جلب الحجارة اللازمة من المناطق القريبة، فأمرت قيادة حملة الاحتلال – رغم معارضة واحتجاجات مدير الآثار ــ بتقويض جزء من سور المدينة التاريخي ابتداء من شارع الحصون إلى باب البحر وذلك لغرض استعمال أنقاضه وأنقاض العقارات المحايدة له في بناء الميناء.
6. قد بذلت عناية بغرس أشجار الطلح والايوكاليبتس على جانبي جميع الطرق الحديدية تقريبا وفي ميادين المحطات لغرض توفير شيء من الظل حماية للناس من أشعة الشمس اللاسعة لاسيما في فصل الصيف.
7. إن إدارة السكك الحديدية الليبية قد استحدثت لقطارات الركاب درجتين أولى وثانية كانتا تعادلان – من حيث التجهيز والتأثيث – الدرجتين الثانية والثالثة في قطارات إيطاليا. وقد خُصّصت الدرجة الثالثة لنقل الركاب من السكان المحليين والجنود ولم تكن عرباتها في الحقيقة سوى عربات لشحن البضائع أضيفت إليها مقاعد خشبية مع العلم بأن السكان المحلين كانوا – في وقت من الأوقات – يسافرون على متن عربات خلو من المقاعد ومفروشة أرضيتها بالحصر.

وفي الختام لعله جدير بالتوضيح والتوثيق أن اسم " لاكاردو" الذي أطلقه العامة على أول محطة كان صوابه "ريكّاردو" (Riccardo) وهو اسم ثري مالطي طرابلسي يروى أنه انتقل – في النصف الثاني من القرن الميلادي التاسع عشر – من المدينة القديمة إلى شارع الحميدية (الفاتح حاليا) حيث اشترى قطعة أرض تقع قبيل تقاطع هـذا الشارع مع شارع المكينة (هايتى حاليا) وأقام عليها داراً لسكناه وبعض المباني الأخرى كان من جملتها مطحن للحبوب. وإنى لازلت أذكر أن الدخول إلى المنطقة كان عبر ساباط ــ أى ممر مقوس مسقوّف – درج الناس على تسميته " قوس لاكاردو" ومع مرور الزمن أطلقوا الاسم ذاته على شارع الفاتح الحالي ابتداء من الساحة الخضراء إلى بداية شارع جامع المغاربة الذي أطلق عليه الإيطاليون اسم عاصمة دولتهم روما والذي كان يمتد بدوره إلى شارع السيدي حيث تقوم عمارة "جنة العريف" في الوقت الراهن.
وكــما إني لازلت أذكر أن لوحة رخامية منقوشا عليها باللغة الإيطالية Riccardo Cassar 1880"" كانت معلقة على يمين الداخل إلى المنطقة من تحت الساباط المشار إليه.
ــــــــــــ
ثــــبت المــراجــــــــع:
مصطفى عبد الله بعيو، تاريخ السكة الحديدية في ليبيا منذ أواخر العهد العثماني حتى فترة الإدارة العسكرية، موقع جيل، 15 أبريل 2009.

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~

بوفرقه
مراقب
مراقب

ذكر
عدد المشاركات : 34562
العمر : 50
رقم العضوية : 179
قوة التقييم : 74
تاريخ التسجيل : 30/04/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشـــأة الســكك الحــديـدية فـي لـيبيا

مُساهمة من طرف محمد اللافي في 2010-11-07, 10:52 am

مع انه موضوع ايدهش لكن فيه معلومات رائعه ونبذة تاريخيه قيمه
بارك الله فيك يا بوفرقه علي المقاله الرائعه

محمد اللافي
مستشار
مستشار

ذكر
عدد المشاركات : 27313
العمر : 37
رقم العضوية : 208
قوة التقييم : 54
تاريخ التسجيل : 28/06/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشـــأة الســكك الحــديـدية فـي لـيبيا

مُساهمة من طرف بوفرقه في 2010-11-09, 9:11 am

مشكورين على المرور بارك الله فيكم اجعنكم ماتغيبو

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~

بوفرقه
مراقب
مراقب

ذكر
عدد المشاركات : 34562
العمر : 50
رقم العضوية : 179
قوة التقييم : 74
تاريخ التسجيل : 30/04/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشـــأة الســكك الحــديـدية فـي لـيبيا

مُساهمة من طرف رؤوف عوض الجبالى في 2010-11-11, 2:07 pm

شكراً .. على تزويدنا المستمر بالأخبار والمعلومات الهامة ......

رؤوف عوض الجبالى
موقوف

عدد المشاركات : 13087
رقم العضوية : 1166
قوة التقييم : 118
تاريخ التسجيل : 11/02/2010

http://www.facebook.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نشـــأة الســكك الحــديـدية فـي لـيبيا

مُساهمة من طرف بوفرقه في 2010-11-12, 7:09 am

مشكورين على المرور بارك الله فيكم

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~

بوفرقه
مراقب
مراقب

ذكر
عدد المشاركات : 34562
العمر : 50
رقم العضوية : 179
قوة التقييم : 74
تاريخ التسجيل : 30/04/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى