منتديات عيت ارفاد التميمي
أهلاً وسهلاً بك عزيزي الزائر في منتديات عيت أرفاد التميمي .. تفضل بالدخول ان كنت عضواً وبالتسجيل ان لم يكن لديك حساب وذلك للحصول علي كامل المزايا ولمشاهدة المنتديات المخفية عن الزوار..
إعلانات المنتدي

الأخوة الزوار

سجل فوراً في منتديات عيت أرفاد التميمي لتنال احقية مشاهدة اخبار المنطقة ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في التميمي - اخبار المنطقة محجوبة عن الزوار

الأعضاء الكرام

الكلمة الطيبة صدقة والاحترام المتبادل تاج علي رؤوسكم وتذكروا قول الله عز وجل !! ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
المواضيع الأخيرة
»  ﺳﻴْﻄﺮﺓ ﺍﻟﻘﻮّﺍﺕِ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔِ ﻋﻠﻰ ﺃماكن ﻋﺪﻳﺪﺓٍ
اليوم في 2:16 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» القوات المسلحة تستهدف غرفة عمليات تابعة للجماعات الارهابيه
اليوم في 2:13 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» ﺣﺪﺙ_ﻓﻲ_ ﺇﻣﻌﻴﺘﻴﻘﺔ_ ﻗﺒﻞ _ ﺷﻬﺮﻳﻦ
اليوم في 2:10 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» ماهى الا ساعات ويثم تحرير قنفودة
اليوم في 2:05 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» تمشيط سرت من محتوياتها
اليوم في 2:01 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» مسجد الزروق والشوارع المحيطه به بمحور قنفوده
اليوم في 2:00 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» الظهر_الحمر " أنفجار لغم ارضي
اليوم في 1:56 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» قوات أفريكوم الامريكية تعلن تحرير مدينة سرت
اليوم في 1:48 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» سرت بعد دمرت تحررت...
اليوم في 1:43 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» ارتدِها في ثوانٍ.. هذه أسهل 3 طرق للف رابطة العنق
اليوم في 1:39 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» بالفيديو: شاهدوا كيف تغيرت الأرض خلال 33 عاما!
اليوم في 1:37 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» تحميل برنامج للترجمة بدون انترنت مجانا
اليوم في 1:36 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» بوابة مرتوبه قرار من غرفة مجموعة عمليات عمر المختار العميد يوسف المبروك
اليوم في 12:24 pm من طرف STAR

» افضل 3 اضافات مميزة لبرنامج VLC
اليوم في 12:17 pm من طرف STAR

» 5 خواص مميزة في برنامج VLC ربما لا تعرفها
اليوم في 12:16 pm من طرف STAR

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم


محطات في سيرتي الذاتية د. فوزي بن عمران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محطات في سيرتي الذاتية د. فوزي بن عمران

مُساهمة من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع في 2011-01-26, 8:09 pm


عندما بدأت تأليف كتاب سيرتي الذاتية؛ خطر لي أن أستبق نشر الكتاب بنشر مقتطفات منه خلال فترة الإعداد التي أعلم أنها قد تطول. وجعلت كل حلقة تدور حول محطة مهمة تتمثل في مرحلة معينة أو علم من الأعلام الذين التقيت بهم أثناء مسيرة نصف قرن من الزمن، أو مكان يعبر عن تلك المرحلة الفائتة؛ وعنونت الحلقات حسب المراحل أو أسماء أولئك الأعلام أو تلك الأماكن. وآمل أن يحقق النشر على هذه الكيفية عدة أهداف؛ أولها أن التزامي بالنشر المتعاقب للمقتطفات سيجعلني أمضي قُدماً فيما بدأت حتى أتم الكتاب. والهدف الآخر أن نشرها سيتيح للمعنيين والمهتمين فرصة إثراء ما أكتب بتعليقاتهم وإضافاتهم وتصحيحهم إن بدر مني تقصير أو قصور أو نسيان أو زيادة أو نقصان. وعندما يصدر كتاب السيرة الذاتية سيكون مرتباً زمنياً، ولكنني لن أتحرى الترتيب الزمني في سرد هذه المقتطفات، ولن يدل ترتيب نشرها على أولويات أهميتها في حياتي. ولا يفوتني أن أترحم على أرواح كل من سترد أسماؤهم وقد غيبهم عنا هازم اللذات ومفرق الجماعات. أسأل الله لي ولهم المغفرة وأن يجمعني بهم في جنات النعيم.

عقب الانتهاء من دراسة السنة الثالثة الثانوية خلال العام الدراسي 1969- 1970 وحصولي على شهادة إتمام الدراسة الثانوية في يونيو 1970، انتهى بي المطاف في جامعة طرابلس في سبتمبر 1970م لدراسة السنة الإعدادية للطب في كلية العلوم. كنت من بين خمسين طالباً وطالبة من أوائل الشهادة الثانوية اختيروا للإيفاد لدراسة الطب في الخارج، ولم يكن مشروع إنشاء كلية الطب في ليبيا قد اكتمل، وكنا نعرف أن ثمة اتفاق مع كلية الطب بجامعة (برمنجهام) لتقوم بالإشراف على الكلية المزمع إنشاؤها خلال السنوات الأولى. بين عشية وضحاها باغتنا إعلان في نشرة الأخبار يقول أن على طلبة البعثة التوجه إلى كلية العلوم بطرابلس لدراسة السنة الإعدادية، وكانت مغامرة من جانب صاحب القرار أن يُشرع في الدراسة قبل الأوان.

ودعت أبي وأمي وأخي وأخواتي، وحملت حقيبتي وسافرت إلى بنغازي عن طريق سيارات النقل الجماعي، ومنها إلى طرابلس بالطائرة. الرحلة من درنة إلى طرابلس أرويها في حلقة (الطريق إلى طرابلس)، لذلك لن أتعرض إليها الآن. استقبلني في مطار طرابلس ابن عمي الدكتور عبد الحي محمود بن عمران الذي كان بمثابة الأخ ويكبرني بخمس عشرة سنة. كان وقتها حاصلاً على الماجستير في هندسة النفط ويتقلد منصب مدير إدارة في المؤسسة الوطنية للنفط. لم يكن عبد الحي (يرحمه الله) قد تزوج حينها، ومكثت معه في منزله بمنطقة (حي الأندلس)، غير أنه سافر بعد أيام قليلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الدكتوراه فبقيت في منزله وحيداً حيث مكثت لمدة تربو على الشهر إلى أن قيض لي الله الحصول على سكن في بيت الطلبة.

عندما أتممت إجراءات التسجيل في الكلية اكتشفت أن بيوت الطلبة لا تستوعب كل العدد الذي توافد على الجامعة من خارج طرابلس. علمت أيضاً أن هذه المشكلة تتكرر سنوياً بسبب مشاكل إدارية ومالية. اعتبرت نفسي محظوظاً لأن عندي مأوى في منزل ابن عمي، وصرت أتنقل بالمواصلات العامة كل صباح؛ من حي الأندلس إلى (ميدان السويحلي)، ثم من الميدان إلى الجامعة في (سيدي المصري)، ويتكرر ذلك بالعكس عندما أتوجه قافلاً إلى البيت في المساء. استمر ذلك لمدة شهرين إلى أن استأجرت الجامعة عمارة سكنية في منطقة (الظهرة) وحصلت على مكان فيها. جرى توزيع الطلبة بواقع كل اثنان أو ثلاثة طلبة في كل غرفة حسب مساحتها، وسكنت في تلك العمارة مع زملائي إبراهيم عبد الله بيت المال وعمران المهدي الفيتوري.

أول الأيام في طرابلس كانت صعبة بالنسبة لي، وكان عمري وقتها سبع عشرة سنة! ما كان أصعب الغربة وفراق الوالدين والأهل والأماكن المألوفة.

كنت الطالب الوحيد القادم من درنة لدراسة الطب. عندما اطلع والدي يرحمه الله على قائمة الطلبة المنشورة في الصحيفة قرأ اسم أحد الطلبة وقال لي أنه من درنة وأنه يعرف والده ولكن والده انتقل للعيش في طرابلس منذ مدة طويلة. ذلك هو صديقي المهدي المبروك الجيباني؛ الذي يعمل ويقيم في بريطانيا حالياً. طبعاً لم أتعرف على مهدي ولا سائر الطلبة مباشرة، فقد انقضت أيام قبل أن أتعرف وأتواصل وأندمج معهم كما هو معتاد في بدايات الفصول الدراسية. صباح أول يوم في الدراسة دخلت قاعة المحاضرات الكبرى بكلية العلوم متأخراً قليلاً بسبب المواصلات ثم البحث عن مكان المحاضرة. قاعة المحاضرات الرئيسة بكلية العلوم كانت عبارة عن مدرج مسرح، وكان المسرح مكتظاً بالطلبة، حيث جمعت في ذلك الصباح طلبة إعدادي الطب مع طلبة السنة الأولى بكلية العلوم، فكان المجموع يربو على المائتين. كان الدكتور محمد أبو النجا (عرفت اسمه لاحقاً وهو مصري) يلقي محاضرة في مادة الكيمياء، وقد أدهشني وقتها أنه كان (يرطن) باللغة الإنجليزية! لم يخبرني أحد بأن الدراسة في ليبيا ستكون بالإنجليزية. بطبيعة الحال لم أفهم ماذا يقول. كان يكرر عبارة بالإنجليزية اتضح لي فيما بعد أن معناها (نتيجة لـ)، العبارة من مقطعين (due to) وكنت وقتها مستعد أن أدفع كل ما في جيبي – ولم يكن بالشيء الكثير – لمن يفسر لي معناها. الذي أدهشني أن طالبين في الصف الأمامي انهالا بالأسئلة على الأستاذ، وباللغة الإنجليزية، وهاأنذا الطالب المتفوق بمعيار (درنة) لم أعجز فقط عن فهم الأستاذ بل حتى عن فهم أسئلة الطلبة، وأنا واحد منهم! فيما بعد اتضح أن هذين الطالبين من طلبة كلية العلوم، وأن كليهما يعيد السنة الأولى للمرة الثانية! كما أدركت لاحقاً أنهما كانا يستعرضان مهاراتهما أمام الطلبة المستجدين وخاصة الإناث على أمل إثارة اهتمامهن ونيل إعجابهن. الطالبان هما: سالم الآغا، وعبد الرحمن بوشاقور. نظراً لانتقالنا إلى بنغازي بعد السنة الإعدادية فإنني لم أقابل أي من الفرسان الثلاثة (الدكتور أبو النجا والطالبين الآغا وبوشاقور) إلاّ بعد أن تخرجت من كلية الطب وبعد أن استكملت دراستي العليا في بريطانيا وقفلت راجعاً إلى ليبيا. الأول قابلته بالصدفة المحضة عام 1984م عندما كنت في طرابلس أزور مركز البحوث والخبرة القضائية الذي كنت أتولى رئاسة فرعه في بنغازي، وكان هو قد ترك الجامعة وانضم إلى المركز خبيراً في الفحوص الكيميائية. والثاني قابلته في طرابلس وبالصدفة كذلك عندما استضافتني كلية الطب بجامعة الفاتح أستاذاً زائراً عام 1990م. لمحته بينما كنت جالساً في بهو فندق (باب البحر) فدعوته باسمه، ولم يعرفني طبعاً فذكرته بنفسي، وقلت له مازحاً أنه وزميله (بوشاقور) كادا يدفعانني (دون قصد طبعاً) إلى ترك الدراسة والقفول راجعاً إلى درنة. جعلاني أقول في نفسي: إما أن هؤلاء عباقرة؛ وإما أن يكون سقف الذكاء في درنة منخفضاً جداً. عقب تلك المحاضرة التي لا تنسى قابلت صديقي فهيم محجوب الحصادي الذي كان التحق بكلية الهندسة وتخرج فيها لاحقاً، واكتشفت أن نفسه حدثته بمثل ما حدثتني به نفسي، حيث واجهته المشكلة نفسها في الهندسة.

كان معي في السنة الإعدادية من الطالبات: سعاد عمران الورشفاني (طرابلس)، فاطمة محمد دافه (طرابلس)، مبروكة عياد الساحلي (بنغازي)، عبلة محمد صالح (مصر)، وطالبة من بلغاريا كانت مقيمة في طرابلس مع والدها الذي كان يعمل في السلك الدبلوماسي؛ اسمها (ليليا يونوفا) إذا أسعفتني الذاكرة! أما الطلبة فهم: إبراهيم عبد الله بيت المال (بنغازي)، إبراهيم رمضان جرافة (زواره)، أحمد محمد سوالم (بنغازي)، امحمد ساسي يونس (يفرن)، أبو القاسم عمرو الباروني (كاباو)، أحمد محمد راشد (طرابلس)، المهدي المبروك الجيباني (طرابلس)، مولود رمضان الأجنف (الزاوية)، سليمان الشيباني بوسريويل (طرابلس – العجيلات)، عبد العزيز حسين شمبش (بنغازي)، سالم علي التيتلي (بنغازي)، على مسعود المقدمي (طرابلس – نالوت)، علي أحمد شيبة (سبها – محروقة)، حميد ضو الطاهر (سبها – سوكنة)، عثمان أحمد بشير (هون)، علي المهدي عبيد (هون)، حسين امحمد عياد (طرابلس)، بشير عبد الله العلاقي (طرابلس – صبراته)، محمد بوعجيلة راشد (طرابلس)، محمد محمد البوعيشي (طرابلس)، عبد الفتاح علي الأخضر (طرابلس)، نوري عبد المجيد مجبر (الخمس)، حسين عريبي قرّي (زواره)، عبد السلام الصيد بيوك (طرابلس - سوق الجمعة)، صالح سليم القماطي (طرابلس)، صالح محمد رمضان (طرابلس)، عمران المهدي الفيتوري (بنغازي)، عبد الله الهاشمي قليصة (بنغازي)، معتوق محمد عقيل (طرابلس – سوق الجمعة)، فوزي بركه رمضان (طرابلس – سوق الجمعة)، علي سالم الزواوي (طرابلس)، اسماعيل أحمد بوهدمة (اجدابيا)، أحمد علي عزو (طرابلس)، المبروك خليفة امسلّم (طرابلس)، مصطفى محمد الزايدي (قصر بن غشير)، منصور عمران عيسى (ازليتن)، عمر الزنتاني (طرابلس)، محمد علي بدوي (طرابلس)، محمد الجيلاني (طرابلس)، آمون سيتي عزيز سوريال (مصري)، بشير العريفي (الزاوية)، حسين فهمي رابح (جزائري)، زاهر هاشم خليل الجحاوي (فلسطيني)، عبد الرحمن محمد أبو لافي (فلسطيني)، جمعة محمد عيد (فلسطيني)، سليمان محمد عابدين (فلسطيني)، بدر شفيق الشهابي (فلسطيني).

غادرنا عدد من الزملاء؛ أو بالأحرى (قفزوا من السفينة) خشية فشل تجربة الولادة المبكرة للكلية وانتقلوا إلى كليات أو بعثات أخرى، بعضهم انتظر إلى نهاية السنة وآخرون اتخذوا قرار المغادرة سريعاً لتوقعهم بأن الغرق كان وشيكاً. على رأس أولئك الزملاء إسماعيل بوهدمة؛ الذي كان من أذكى وألمع الطلبة، وحصل على بعثة دراسية من إحدى شركات النفط وسافر إلى الولايات المتحدة ودرس هندسة النفط، وأحمد علي عزو (سافر لدراسة الطب في جامعة بافيا- إيطاليا)، وصالح سليم القماطي (البحرية)، وصالح محمد رمضان (هندسة الطيران)، وعمر الزنتاني (الطيران)، ومحمد علي بدوي (القانون)، ومحمد الجيلاني (القانون)، وبشير العريفي. وانضم إلينا خلال السنوات التالية طالبات وطلبة كانوا يدرسون في كليات الطب بمصر وهم: سالمة يوسف المغربي (بنغازي)، راوية سالم ياسين (مصرية)، عائشة عبد الله اسميو (بنغازي)، نزيهة بن سالم (بنغازي)، عبد المنعم الصديق قريو (بنغازي)، محمود محمد العمامي (بنغازي)، عطية الطاهر اجعي (ازليتن)، أحمد علي التير (ازليتن).

انخرطنا في كلية العلوم، وألحقونا بالمجموعة التي تدرس علم الحيوان وعلم النبات، وكذلك الكيمياء العامة والعضوية والرياضيات والفيزياء واللغة الإنجليزية. كان أساتذتنا: الدكتور محمد أبو النجا- مصري (الكيمياء العامة)، الدكتور الصديق الشكشوكي (الكيمياء العضوية)، الدكتور الحداد - عراقي (الرياضيات)، الدكتور جورج - مصري (علم الحيوان) ومعه معيدة ليبية تدعى نجاة الحجاجي، الدكتور أبو ريّا - مصري (علم النبات) ولا أتذكر اسمه الأول، الدكتور الشربيني - مصري (الفيزياء)، ومستر كانت - انجليزي (اللغة الانجليزية). كان أبو ريّا يستهزئ بنا ويقول: الواحد منكم لسّه ما طلعش من البيضة وينادونه يا دكتور. في الحقيقة أنه لم يكن أحد ينادينا بذلك اللقب؛ وكنت وكثير من زملائي نتردد حتى بعد التخرج من وضع اللقب أمام أسمائنا! كانت تلك أول مرة أكتشف تحامل بعض الناس على فئات مهنية معينة دون مبرر. ما أدهشني وقتها أن التحامل غير المبرر صادر عن أستاذ جامعي يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم، فعمد إلى إحباط طلبته بدلاً من تشجيعهم! ربما كان تحامل الأستاذ الدكتور أبو ريا على طلبة الطب خاصة ردة فعل على خيبة أمل قديمة تمثلت في عدم تحقق أمنيته في أن يصير طبيباً، وذلك التحامل ربما يشي بأن لم يسع للحصول على درجة الدكتوراه بعد تخرجه في كلية العلوم إلاّ مقاربة للأمنية القديمة التي لم تتحقق.
أتممنا الفصل الدراسي الأول على ذلك النحو، ولم ننتبه إلى أن ما درسناه لا ينسجم مع منهج إعدادي الطب الذي يدرسه نظراؤنا في دول أخرى إلاّ مع بداية الفصل الدراسي الثاني. سألنا عميد كلية العلوم الدكتور المهرك ووكيل الكلية الدكتور داود فقالا إن الاتفاق مع عميد كلية الطب أن يضمنا إلى إحدى المجموعات بكلية العلوم ولا يعلم ما سيحدث العام المقبل. أضربنا عن الدراسة وقمنا باتصالات لم تسفر عن أي شيء، فقررنا ذات يوم أن نذهب إلى (القيادة) في معسكر باب العزيزية وطلبنا مقابلة القائد العقيد معمر القذافي (رئيس مجلس قيادة الثورة). خرج إلينا الرائد علي الريفي وطلب أن يتقدم أربعة منا لمقابلة القائد، وأسفرت تلك المقابلة عن ترتيب لقاء مع كل من وزير التربية والإرشاد القومي (الرائد بشير هوادي) ورئيس الجامعة (د. عمر التومي الشيباني) ووكيلها (د. الهادي بولقمة)، وعميد كلية الطب (د. رءوف بن عامر). حضر اللقاء كل من إبراهيم بيت المال وعمران الفيتوري وسعاد الورشفاني وبشير العلاقي وحسين عياد. تحركت الأمور ووعد الوزير بافتتاح كلية الطب السنة القادمة في بنغازي، وبتغيير منهج الدراسة في بقية السنة ليتلاءم مع دراسة إعدادي الطب، على أن نستمر في الدراسة إلى نهاية شهر سبتمبر بدلاً من نهاية شهر يونيو.

قليل من الزملاء كان أهلهم يقيمون في طرابلس وكانوا يعيشون معهم، أما أكثرنا فكنا نقيم في بيوت الطلبة. أقمنا في بيت الطلبة بمنطقة (الظهرة)، وهي عمارة تحتوي على شقق سكنية. وخلال أشهر الصيف خلت بيوت الطلبة الملحقة بالجامعة بمنطقة (سيدي المصري) فانتقلنا إليها على اعتبار أن ذلك يوفر علينا المواصلات اليومية من الظهرة إلى سيدي المصري. كانت إقامتنا في بيوت الطلبة التابعة للجامعة بالمجان، وكان كل طالب يتقاضى منحة شهرية قدرها ثمانية دنانير. أما الطلبة الذين يقيمون خارج بيوت الجامعة؛ سواء مع أهاليهم أو يستأجرون منازل خاصة فيتقاضي كل منهم منحة شهرية قدرها خمسة وعشرين ديناراًً، وذلك منطقي جداً حيث كان الطالب المقيم يكلف الجامعة حوالي سبعين ديناراً، وعليه يكون الطالب الذي يقيم على حساب نفسه قد وفر على الجامعة، فليس أقل من أن يتمتع بمنحة أكثر من الطالب المقيم على نفقة الجامعة. الشيء الآخر أن الجامعة كانت توفر الكتب للطلبة بسعر مخفض، حيث كنا ندفع فقد 40% من سعر تكلفة الكتاب، على أن لا يتجاوز ما يدفعه الطالب ثمناً لأي كتاب مبلغ خمسة دنانير مهما ارتفع سعر تكلفته. كان في كل بيت من بيوت الطلبة الثلاثة مطعم يقدم ثلاث وجبات يومياً. الإفطار يتضمن بيضتان لكل فرد بالإضافة إلى الخبز والمربى والزبد والشاي والقهوة، والبيض إما مسلوق أو مقلي في الزيت، ولمن يرغب في بيض مقلي (وسط) فما عليه إلاّ أن يطلب ذلك من أحد الطباخين. اللحم أو الدجاج ضروري مع الطبق الرئيسي في كل من الغداء والعشاء، بالإضافة إلى الحساء والسلطة والفواكه والعصير. أما الغرف فكانت كل منها مزودة بسرير وفراش ووسادة وأغطية نظيفة تسلم لكل طالب في بداية السنة، وكذلك خزانة ملابس ومنضدة سرير بأدراج (كومودينو).

لم تقتصر علاقتي بزملائي الجدد في الكلية، فقد التحق بكليات الهندسة والعلوم والزراعة والتربية كثير من الزملاء القدامى من المرحلة الثانوية الذين جاءوا معي من درنة واستمرت صداقتنا خلال تلك السنة وإلى الآن بطبيعة الحال. التحق بكلية الهندسة: صالح السنوسي امنينة، فهيم محجوب الحصادي، فوزي إبراهيم اشليمبو، محسن المبروك بن حليم، عبد العزيز ربيع؛ والتحق بكلية الزراعة: عمر رمضان الفيتوري، غيث محمد ساسي، حسن اسويحل استيتة، علاء فخري السنوسي، عبد الله المزيني، رافع الدعيسي، علي بشر بدر؛ وبكلية التربية: مصطفى محمد بن عمران، أنور محمد بن عمران، مفتاح عبد الله المسوري (الذي استحق لقب المسيو عن جدارة بسبب تخصصه في اللغة الفرنسية)، محمد ساسي، عبد الله الماوي، إبراهيم الكربال؛ وبكلية العلوم: فتحي عبد الدائم ازقوقو.

خلال تلك المرحلة عرفت عن كثب ابن عمتي صالح مصطفى النويصري، الذي كان الطالب المتفوق الأول دون منازع بالسنة النهائية بكلية الزراعة. كما تعرفت في تلك السنة إلى طلبة لم أكن أعرفهم في السابق، بعضهم في السنوات الأولى من المرحلة الجامعية، وبعضهم في سنوات متقدمة، أذكر منهم: فتحي العكاري وفتحي بدر وفوزي الأطراش ورمضان الساحلي وكان صديقاً لقريبي عبد الحميد ربيع وكانا في كلية العلوم، ومحمد قرقوم ومفتاح الخشمي ومحمد عبد المالك والسنوسي البريكي ومحمد الشلماني وعلي الشلماني وعبد العزيز بوغويلة ومحمد بوغويلة ومحمد الفلاح وعبد القادر السعيطي، ومحمد المعداني، وفرج المعداني، ومفتاح الدينالي، وعبد السلام اوحيده، وخالد الشركسي.

مرحلة إعدادي الطب كانت مليئة بالمفاجآت العلمية وغير العلمية. الدراسة باللغة الإنجليزية كما أسلفت كانت أول المفاجآت. أما تجربة تخدير الضفدعة عن طريق إتلاف جهازها العصبي المركزي تمهيداً لتشريحها واختبار تحفيز قلبها وعضلاتها فكانت من أكثر المواقف إثارة وتشويقاً. كذلك الاختبارات المبنية على الخيارات المتعددة التي لم نكن نعرفها قبل تلك المرحلة وبخاصة فكرة غرامة الإجابة الخاطئة. الدراسة المختلطة كانت أمراً غير اعتيادي، وبخاصة أن السفور كان الصفة السائدة للطالبات. وأهم من ذلك كله بالنسبة إليّ كان الاعتماد على الذات والاستقلالية شبه التامة لأول مرة في حياتي وفي مرحلة مبكرة نسبياً. العلاقات الإنسانية العريضة مع أشخاص أقابلهم لأول مرة، يتحدثون الليبية الدارجة بلهجاتها المختلفة. استفدت كثيراً في تلك الرحلة من اللقاء بطلبة يختلفون عما ألفته من الزملاء في درنة، ابتداء من اللهجات المحلية المختلفة وانتهاءً بالخلفيات الثقافية لكل منهم. أخرجتني تلك المرحلة من الإطار الضيق المحدود والحضن الرعيوي الذي وفرته لي بيئتي الصغيرة في درنة، إلى فضاء أوسع وأرحب أطلق العنان لمكامن عقلي وخلجات نفسي.
أثناء عودتي من درنة بعد إحدى العطلات القصيرة توقفت في بنغازي ومررت بصديقي إبراهيم بيت المال حيث تناولت الغداء معه ثم أوصلنا شقيقه محمود إلى المطار وسافرنا إلى طرابلس، طبعاً كنا قد خططنا لتلك الرحلة مسبقاً. في طرابلس عندما وصلنا إلى بيت الطلبة بالظهرة وجدنا أصدقاءنا قد خططوا للذهاب إلى السينيما. كان فيلم (دكتور زيفاجو) بطولة الممثل عمر الشريف يُعرض في دار عرض الودان بالقرب من السكن. الرواية من تأليف الشاعر والروائي السوفييتي بوريس باسترماك، ومن أسباب شهرة الرواية أنها فازت بجائزة نوبل للأدب عام 1958، ولكن النظام السوفييتي أجبر المؤلف على رفض الجائزة تجنباً للفضيحة نظراً لأن الرواية تدين النظام السوفييتي الشيوعي. كنت في غاية التعب إلى درجة أنني نمت في الكرسي خلال العرض ولم أستمتع بالفيلم، كانت تلك المرة الأولى التي يغالبني فيها النوم أثناء وجودي في السينيما.

عندما امتدت السنة الدراسية إلى فصل الصيف فوجئت بشدة الحرارة التي كانت تجاوزت خمس وأربعين درجة مئوية والمصحوبة بارتفاع معدلات الرطوبة النسبية. انتقلنا إلى بيت الطلبة التابع لكلية الهندسة لأنه صار خالياً بسبب العطلة الصيفية التي شملت كل الكليات عدا كلية الطب، فحظي كل منا بعرفة منفردة. أذكر كيف كنت أرش فراشي بالماء طلباً للبرودة. لم تكن مكيفات الهواء معروفة في ذلك الوقت، ولم نفكر في شراء مراوح كهربائية لأن إقامتنا كانت مؤقتة.

كانت غرفنا في الدور الأرضي، وتعودنا أن ننام بعد الظهر إلى العصر ثم يمر بعضنا على البعض الآخر ونتجمع استعداداً للانطلاق إلى مطعم كلية الهندسة في مجموعات صغيرة لتناول وجبة العشاء. ذات يوم نمت ولم أدر بنفسي أن أحسست بيد تهزني بقوة فصحوت ورأيت زميلي حسين قري واقفاً عند رأسي. العجيب في الأمر أنه اضطر للدخول إلى غرفتي من الشباك ليوقظني بعد أن حاول كل جهده عن طريق طرق الباب بشدة ومناداتي بأعلى صوته، فانزعج وخشي أن يكون قد أصابني مكروه، فخرج من المبنى والتف حوله إلى أن وصل إلى النافذة فتسلقها وقفز إلى داخل الغرفة. ربما كان الخمول الذي أصابني مرده إلى التعب والحر والرطوبة.

بطبيعة الحال توطدت العلاقة بيني وبين زملائي، وبين الزملاء وبعضهم شيئاً فشيئاً خلال تلك السنة والسنوات التي تلتها إلى أن أضحينا جميعاً بمثابة الإخوة. ربما لا تجد أخوة أشقاء يتعايشون مع بعضهم كما تعايشنا. كنا معاً في قاعات الدراسة والمختبرات والمستشفى يومياً من الصباح إلى المساء، ثم معاً في بيت الطلبة؛ ندرس معاً ونتنقل معاً ونأكل معاً، وفي الرحلات الجماعية داخل ليبيا وخارجها. حياة مليئة وغنية، اختلط فيها الجد بالمزاح، والاجتهاد باللعب، بيد أن لكل أمر وقته. عندما افترقنا في نهاية السنة كنا جميعاً نتطلع إلى السنة القادمة كي نلتقي مجدداً في بنغازي حيث سنبدأ دراسة السنة الأولى من كلية الطب.


-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~

عبدالحفيظ عوض ربيع
النائب الأول للمشرف العام
النائب الأول للمشرف العام

ذكر
عدد المشاركات : 71920
العمر : 50
رقم العضوية : 13
قوة التقييم : 210
تاريخ التسجيل : 03/02/2009

http://tamimi.own0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محطات في سيرتي الذاتية د. فوزي بن عمران

مُساهمة من طرف محمد اللافي في 2011-01-26, 8:18 pm

قصه رائعه جدا اخي عبد الحفيظ
اين اختفي هذا الجيل واين هي انجازاته للاسف

محمد اللافي
مستشار
مستشار

ذكر
عدد المشاركات : 27313
العمر : 37
رقم العضوية : 208
قوة التقييم : 54
تاريخ التسجيل : 28/06/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محطات في سيرتي الذاتية د. فوزي بن عمران

مُساهمة من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع في 2011-01-26, 8:22 pm

كل الشكرعلى المتابعه

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~

عبدالحفيظ عوض ربيع
النائب الأول للمشرف العام
النائب الأول للمشرف العام

ذكر
عدد المشاركات : 71920
العمر : 50
رقم العضوية : 13
قوة التقييم : 210
تاريخ التسجيل : 03/02/2009

http://tamimi.own0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محطات في سيرتي الذاتية د. فوزي بن عمران

مُساهمة من طرف amol في 2011-01-27, 1:39 pm


-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~





amol
مستشار
مستشار

انثى
عدد المشاركات : 36762
العمر : 35
رقم العضوية : 2742
قوة التقييم : 9
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى