منتديات عيت ارفاد التميمي
أهلاً وسهلاً بك عزيزي الزائر في منتديات عيت أرفاد التميمي .. تفضل بالدخول ان كنت عضواً وبالتسجيل ان لم يكن لديك حساب وذلك للحصول علي كامل المزايا ولمشاهدة المنتديات المخفية عن الزوار..
إعلانات المنتدي

الأخوة الزوار

سجل فوراً في منتديات عيت أرفاد التميمي لتنال احقية مشاهدة اخبار المنطقة ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في التميمي - اخبار المنطقة محجوبة عن الزوار

الأعضاء الكرام

الكلمة الطيبة صدقة والاحترام المتبادل تاج علي رؤوسكم وتذكروا قول الله عز وجل !! ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
المواضيع الأخيرة
» ليبيا.. خبر كان.. عاجل
اليوم في 10:39 am من طرف عاشقة الورد

» حيل سهلة وسريعة تزيدك جمالًا وانوثة
اليوم في 10:26 am من طرف عاشقة الورد

»  فوائد ترتيب المنزل وتنظيفه.. أكثر مما تتوقع!
اليوم في 10:18 am من طرف عاشقة الورد

» جزء من الطلاب المتقدمين للكلية العسكرية توكرة للإنضمام للقوات المسلحة العربية الليبية
اليوم في 10:16 am من طرف STAR

» بالصور مركز شرطة القرضة أبشع الجرائم بمدينة سبها
اليوم في 10:14 am من طرف STAR

» الأمهات القاسيات هن الأفضل.. هذه أمثل طريقة للتعامل مع أطفالك!
اليوم في 10:13 am من طرف عاشقة الورد

» هكذا يبدو شكل "الكوكب القزم" الأصغر في مجموعتنا الشمسية
اليوم في 10:10 am من طرف عاشقة الورد

» لماذا يُصاب الأشخاص بانتفاخ تحت العين؟
اليوم في 10:03 am من طرف عاشقة الورد

»  عليكم ارتداء الجوارب خلال النوم .. إليكم الأسباب
اليوم في 9:55 am من طرف عاشقة الورد

» مصر توافق على تجديد تصاريح سيارات الليبيين بالقاهرة لـ6 أشهر
اليوم في 9:50 am من طرف STAR

» «العامة للكهرباء»:تركيب أبراج الطوارئ لربط (طبرق القعرة) غدا
اليوم في 9:49 am من طرف STAR

» اتفاق مع «المالية» ينهي اعتصام الموظفين بمطاري طبرق والأبرق
اليوم في 9:49 am من طرف STAR

» مطاري الأبرق وطبرق يباشران حركة الملاحة الجوية
اليوم في 9:49 am من طرف STAR

» «محلي الموقتة» تعد بترقية منتسبي الحرس البلدي ورفع رواتبهم
اليوم في 9:49 am من طرف STAR

» الأرصاد: سماء غائمة في الغرب .. مع احتمال سقوط أمطار شرقًا
اليوم في 9:48 am من طرف STAR

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم


الشيخ علي محمد بو رجعة ..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الشيخ علي محمد بو رجعة ..

مُساهمة من طرف زهرة اللوتس في 2011-11-15, 8:47 am


الشيخ علي محمد بو رجعة
إذا كان دهاة العرب في الزمن القديم أربعة، فإن صاحبنا هذا هو خامسهم، ولكن القدر استبقاه ليأذن بظهوره في هذا الزمان، لا.. بل ربما تفوٌق بقوة الحجة و نصاعة الرأي وتفرد الشخصية، والشجاعة الفائقة في أحرج المواقف وأضيقها.،
ويمكن القول إن الرجل أدى دوره، كأحسن ما يؤديه رجل موهوب متميز، عاش في نفس ظروفه.
رجل عاصر ثلاث حكومات، ظلت مكانته فيها جميعها هي مكانته، عاصر الترك والطليان وحكومة الاستقلال، فنال تجارب وخبرات، حضر العديد من المواعيد، واحتفالات
الصلح، وعاش حياة بدوية حرة كريمة، كما يحب هو، لا كما يحب الآخرون أن تكون، كان نجعه بالنسبة لقبيلته كعاصمة الدولة للمواطنين، يقصدونها لتقديم شكاياتهم، والتماس الحلول لمشكلاتهم.
ذلك هو علي بو رجعة، فمن هو تلك الشخصية الموهوبة وأين ومتى عاشت.؟ أمٌا نسبه فيعود إلى قبيلة أحسين البراعصة، فرع عيت الحداد، وأمٌا وصفه فهو رجل أسمر
قصير القامة، قليل اللحم كبير الهامة، من أفذاذ الرجال، ذكيٌ الفؤاد ملهم الجواب سريع البديهة، كنت أسمع عنه من أبي وهو يحدثني عنه بكثير من الإعجاب، لذكائه وحسن تصرفه في المواقف الحرجة، حتى أحرز هيبة تجاوزت قبيلته، إلى باقي القبائل في أطراف برقة.
وحين تجرأ بعض أفراد قبيلة بو رجعة فانتقدوه، لأنه – كما يقولون –
استهان
بمشاعرهم فلم يشاورهم في أمر خطير، يمسٌ مستقبل القبيلة، ويزحزح مكانتها،
بل استقل برأيه فباع ( الشوخة) دون علمهم، مما يعني أن القبيلة ستميل إلى الظل،
وتعيش في الاستيداع، وتفقد الهالة التي تحيط بها، قال لهم أبي إن بو رجعة أمير
الوطن، وسيظل أميراً له على كل حال، باع الشوخة أم احتفظ بها، ولن تحل عقدة إلا بحضوره،
وستبقى قبيلتكم في الصدارة طالما كان على قيد الحياة، فهدأوا واطمأنوا، واستمروا
على ما يكنون له من مودة واحترام.
وحين خاض بو رجعة الانتخابات النيابية في أول عهد الاستقلال، مع خليفة
بو الطويلة، وفاز خصمه، لم يغض ذلك من مكانة بو رجعة، أو يزحزح من هيبته في
النفوس، بل ظل يمسك بيده خيوط الحلول، لأية مشكلة تطرأ على مستوى الإقليم، وتحار
العقول في حلها، فيقول فيها حكيم برقة كلمته، فلا يجد الآخرون على تباين عقولهم حلاً
يعدله، إذ كان بحق فارس الميعاد، فلا مندوحة عن قبول حله.
مولده : كان بو رجعة قد أبصر النور في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، إبان العهد التركي في ليبيا، وكان مولده في الجبل الأخضر جنوب البيضاء على مسافة عدة أميال، ونشأ على الصفات البدوية من حب الحرية وعشق الفروسية، والأنفة من الضيم والمهانة، والتفاخر بالشمم والإباء، والرغبة في السيطرة على المواعيد، ومناسبات الحديث في البادية، والوقوع على الحل الأمثل لكل معضلة.
ثم رحل في مقتبل شبابه طلباً للعلم، في المدرسة الوحيدة المعروفة،
التي كانت تتولى مسئولية التعليم حين ذاك، وهي مدرسة الجغبوب، وكانت في أيام عزتها
وازدهارها، وكان ينتخب لها خيرة الطلاب وأذكاهم، من بين أبناء شيوخ البادية، لحفظ
القرآن وتلقي علوم الدين والدنيا، وللتمهر في الرماية وركوب الخيل، فتعلم فيها القراءة
والكتابة، وحفظ شطراً من القرآن الكريم، ولقح عقله بأصول أحكام الشرع الشريف.
وقد بلغني أنه أثناء دراسته هناك، كان يمثل العقل القيادي الراجح، بين
طلاب عيت احسين بالجغبوب، ولم يكن عددهم قليلاً بالمدرسة في تلك الفترة، بينما
كان ابن عمه محمود شعيب ارحيٌم، يمثل دور البطل المصارع بين كل طلاب المدرسة،
والذي يلفت النظر أن بروز بو رجعة برجاحة العقل، حين دراسته في الجغبوب، ربما كان هو
الذي مهد لزعامته القبلية بينهم في المرحلة التالية، فقد كان رجال القبائل في الجبل
الأخضر، يقدمون طلاب الجغبوب في أمور الدنيا، ويستفتونهم في أمور الدين، ويحترمون
آراءهم بوجه عام، فلما رأوا زملاء بو رجعة يدينون لزعامته، ويخشعون في حضرته،
ويتوقفون عند كلمته، عزز ذلك من مكانته في نفوسهم جميعاً، وتعداهم الإعزاز إلى القبائل
البعيدة.
عودته من الجغبوب :
حينما وقع الغزو الطلياني للبلاد توقفت الدراسة،واضطر كل الطلاب إلى
العودة للمساهمة في الجهاد ضد العدو المحتل، فسارع بو رجعة فانضم إلى كتائب الجهاد
مع رفاقه، ولكن عيب الرجل أنه لم يكن من النوع الذي يقاد بسهولة، بمجرد تلقي
الأوامر ليسارع لتنفيذها دون مناقشتها لإبداء الرأي فيها، في حين كان من العسير أن
يتنازل
القادة، لينصتوا إلى اقتراحات جنودهم حول خطة معركة، أو استبدال وقتها أو
التعديل فيها، ومن هنا بدأت الخلافات تدب بينه وبين قادته، ومن المحتمل أن الموقف
بلغ من السوء مبلغاً كبيراً، حتى إنهم قدموه للمحاكمة التي يبدو أنها قضت بإعدامه،
ثم استبدل بالسجن على أن يكون بالكفرة البعيدة النائية، ضماناً لبقائه هناك،
وعدم تفكيره في الهرب، ولكن العقلية الجبارة عند بو رجعة لم تكن لترضخ لما لا
ترضى به، فقد احتال للأمر حتى حصل على المال اللازم من والده، ثم أخذ يخطط للهرب عبر
الصحراء، فاشترى الجمال ودبر الخبير، ونفذ عملية هرب ناجحة، من الكفرة إلى
سيوة ليعود إلى الجبل.
ويبدو أن هذه التجربة المريرة، التي أذاقته مرارة المتاعب في الصحراء،
ولذع الظلم من قادة الجهاد، قطعت صلته بالحرب المباشرة، ولكنه وقد ظل يحس بواجبه
نحو وطنه ومواطنيه، لذلك اتجه إلى خدمتهم بطريقة أخرى، يستخدم فيها العقل
عوضاً عن البندقية.
وكانت حكومة الطليان وهي في معمعة الحرب، تتلمس كافة الطرق لتهدئة
العقول وطمأنة المواطنين، وليس بين العقلاء من يملك الكلمة المسموعة، والهيبة الشائعة،
والقدرة على الحل المناسب لكل معضلة طارئة، أكثر من بو رجعة، ولهذا راحت الحكومة
تستقطبه، لتستعين به كوسيط لتهدئة حركة الاضطراب، ولتسهيل التعامل مع المواطنين،
فجعلوه مديراً في بعض المناطق.
ومع أن بو رجعة كان يعمل مديراً مع الطليان، إلا أن أحدا لا يستطيع
أبدا أن يشكك في حبه لوطنه، وتحيزه لمواطنيه، وقد سجل له التاريخ مواقف مشرفة تصدى
فيها لإنقاذ مواطنين، وقعوا في مواقف حرجة، وكانت مواقفه تلك تفوق في شجاعتها
وجرأتها حمل السلاح في وجه العدو،حتى قال في مدحه الشاعر الشعبي :
فكٌاك المكلبش ساعة النزراره
ولقد دلت التجارب والمواقف، على أن الانتفاع برأيه في دوائر الطليان،
كان خيراً من الانتفاع بقتاله في الميدان، وربما كان ذلك هو السبب الذي جعله يقتنع
بمواصلة خدمة الحكومة،ليس حباً فيها، بل ليكون في موقع يسمح له بمراقبة تحركاتها،
ومعرفة أسرارها، ليكون في مقدوره، أن يدبر الحلول اللازمة للمعضلات الناجمة عن
تصرفاتها، فهو تصرف اضطراري التماساً لمصلحة أعم فائدة، وقديماً قال الشاعر في مثل
هذا الموقف
:ومن نكد الدنيا على الحرٌ أن يرى عدوٌا له ما من صداقته بدٌوأكبر دليل على صحة هذا القول الحادثة التالية، وهي ذات دلالة واضحة على تحيز بو رجعة الكامل – ليس فقط للوطن والمواطنين – بل مساندته الكاملة والسرية لحركة الجهاد، ودعمه لها غير المحدود :
وملخصها أن المجاهد الكبير السنوسي بو بريدان، كان مطلوباً لمقابة قادة الطليان في شحات لتسوية بعض الأمور- وكان حينها يخطط لإعلان التمرد عليهم
– حتى إذا أنهى مهمته، غادر شحات متوجهاً جنوباً إلى أهله، يركب حصانه،
ويتبعه على الجمل ولده وشمال غوط البطوطة – قبل أسلنطة بعدة كيلو مترات – مر بنجع أمام بيت منه حصان مربوط، فلما تجاوزوا النجع توقفوا، وأمر ولده بالعودة، وأن يعمد إلى البيت
الذي يقف أمامه الحصان، فيبلغ صاحبه تحيات السنوسي بو بريدان، ويقول له إن أبي
يلتمس منك أن توافيه بطعام وشاي، وفي البيت استقبل الغلام رجل أسمر البشرة، صغير
الجثة، كبير الهامة، فلما سمع مقالة الغلام، أمره بالعودة إلى أبيه حالاً، على أن
ينتظراه عند بئر هناك، وطال انتظارهما إلى قبيل المغرب، ثم ظهر لهما الرجل نفسه يركب
حماراً، فإذا به هو الشيخ على بو رجعة، وقد أحضر الطعام والشراب، فتعانقا، واستغرب
السنوسي أن يركب الشيخ بو رجعة حماراً، بينما حصانه جاضر من الطراحة،( يهر) أمام
البيت، فأخبره بو رجعة بأنه مراقب، فلو ركب حصانه لتبعه الشياطين من الجواسيس
والبصاصين، ليرصدوا المكان الذي يقصده، فلا مفر إذاً من التخفي على حمار، ويظهر أن
الرجلين تحدثا فيما عزم عليه السنوسي، ففهم بو رجعة نية صاحبه، فتغنى قائلاً :
الخاطر أكيوفي صوب يشٌالن أو ما راسه قعد وهي تعني أن السنوسي في رأسه ( كالالي) حرب ورغبة في القتال، فلن يستريح ويطمئن إلا بعد أن يخوض تلك المعركة التي عزم عليها، فلما أدرك ذلك، قال له : اسمع يا السنوسي، إن أنظار حكومة الطليان كلها وجهودها، موجهة إليك يا السنوسي، باعتبارك خطراً على أمنها، فخذ حذرك، واحسب خطواتك، ولا تقدم على أمر حتى تفكر فيه، وتتكهن بعواقبه، ثم ودعه، ومضى السنوسي عائداً من رحلته.
وإذا كان بعض الحاقدين والمشاغبين غير المسئولين، يقال إنهم دبروا هجمة
ليلة الحميريٌات في حفرة اسلنطة، لأسباب أهمهما قتل بو رجعة، لأحقاد شخصية
وأسباب غامضة، وشاء القدر أن تقتل زوجته، بينما يفلت هو من المذبحة، فإنه لا أحد ممن
يعرفون أقدار الرجالً، ويدركون حقائق الأمور، كان يود أن يصاب بو رجعة بسوء، أو
يلحقه مكروه طوال حياته.
مواقف من سيرته :
كان موهوباً في العثور على حل مناسب لكل مشكلة يستدعى لحلها، كما كان الله قد جلله بهيبة تمنع الآخرين من التعدي على كلمته، أو التفكير في مخالفة أيه، حتى ولو لم يكن الحل الأمثل من بين الحلول، ومع ذلك لا أحد يتجاسر عليه بالنقد و بالنقض، لأن قائله هو بو رجعة وكفى.
وعلى الرغم من صعوبة الفترة التي عاش فيها، وكونها حرجة في حياة
الشعب كله، إذ كانت فترة( خضرمة ) من حكم تركيا، إلى غزو إيطاليا إلى نشوب الحرب وفترة
الإدارة، إلى بداية الاستقلال، ومع ما صحب تلك المراحل من فقر في الخزينة،
وحياة بدائية أقرب إلى الجهالة، بالرغم من ذلك كله فإن بو رجعة عاش حياته في عزة
ومهابة، وكأنه أمير لا فرد عادي، وكان إذا استدعي لحل مشكلة - وكثيراً ما يحدث ذلك-
وركب، صحبه فارسان على الأقل من أولاده أو أفراد قبيلته، عن اليمين وعن الشمال
كأنهما حارسان له، زيادة في مهابته وعزته.
موقفه مع الجنرال ابياتي :
حدث في فترة من فترات الحرب، أن تضعضعت الجبهة الإيطالية، فتجمع بعض
أفراد الشعب وقاموا بنهب المخازن، وبعض ممتلكات الطليان في قرية البيضاء وغيرها،
حتى إذا استعادت الجبهة مكانتها مرة أخرى، قرر الطليان الانتقام من الجميع، فقام
الجنرال ابياتي بجمع الناس بالقرب من مسه، ثم أمرهم بمقولته المشهورة ( أغلقوا
أفواهكم وافتحوا آذانكم ) كناية عن رفض أي اعتراض أو سماع أية حجة، وخطب فيهم فوجه
لهم تهمة الخيانة العظمى، حيث أن البلاد في حالة حرب وهم ومواطنون فيها، وبفعلهم هذا
يعتبرون حلفاء للعدو، فلا عقوبة لهم أقل من الإعدام. حار شيوخ القبائل في الأمر،
إذ من ذا الذي يجرؤ على أن يجيب الجنرال في هذا الموقف العسير، خاصة وأنه كرر مقولته
تلك عدة مرات ؟ وأخيراً اتفق رأيهم على أن يفوضوا عنهم بو رجعة، فقال لهم
ضاحكاً: ما فوضتموني إلا لأن الموقف موقف موت لا حياة فيه، ومع ذلك فأنا أقبل
التحدي، وأتحمل المسئولية، وأنا هازمه إن شاء الله.
وتوقفت نبضات القلوب خوفاً وهلعاً، واستولى الذهول على الجميع عرباً
وإيطاليين، والرجل الأسمر القصير يتخطٌى الصفوف، ويخطو نحو الجنرال، حتى
وقف تحت أذنه – وكان هذا أحمر طويلاً ضخماً عريض الأذنين، يضرب به المثل - وطلب من
المترجم أن يحسن نقل كلماته إلى سيده، دون خوف ولا رهبة، إذ لم يعد هناك فرق بين
موت أو حياة،وكأنما كان بو رجعة يردد في ضميره قول الشاعر القديم :
إذا لم يكن من الموت بد فمن الحماقة أن تكون جبانا
وبدلاً من التلطف والاسترحام، والتماس العفو عن المتهمين، وقف موقفاً
عنيفا، تضافرت فيه الشجاعة وعدم المبالاة، والخطابة والذرابة، والحجة البالغة.
بل يقال إن بو رجعة مد يده، فأخذ بالطرف الأدنى من أذن الجنرال وقال له : يا
سيادة الجنرال ما رأيت في حياتي، ولا سمعت أذني، عن حكومة أضعف من حكومة
الطليان هذه.
يا لله كيف يتجرأ رجل فيقول هذا للجنرال، وهو الذي كان في حالة من الغضب، لا يحتمل معها بذلته العسكرية فوق جسده ؟ كيف والمشنقة منصوبة، وكلمة الإعدام على طرف لسانه ؟ ولكن الأسود القصير يتابع قائلاً : إن حكومة تعد نفسها عظمى، ثم تقرر أن تقتل رعاياها من أجل بقرة ذبحت أو بطانية سرقت، لهي حقا حكومة ضعيفة هالكة.
يا سيادة الجنرال، إن الذين سرقوا ممتلكاتكم العظيمة تلك،( من بقر
وبطاطين )، قد هربوا فلا سبيل إلى الوصول إليهم واللحاق بهم، فهل يكون من العدل أن
تحرق نجوع هؤلاء المساكين، الجائعين المستسلمين، من أجل بقرة أطعمها فقير لأطفاله
اتقاء الجوع،أو بطانية التحف بها مسكين من البرد، أو حفنة من قمح أطعمتها امرأة
بائسة لأطفالها التعساء ؟ أليس هؤلاء الناس هم الذين بالأمس فتحت بهم ايطاليا
الحبشة، ولولاهم لم تستطع دخولها، وهى تخوض بهم اليوم الحرب ضد الحلفاء، وهم
رعاياها في جميع الأحوال، وضعفاء تحت يدها ؟، وبدلاً من أن توجه هجمتها إلى حرب
العدو المشترك، وهم الحلفاء، تقوم حكومتكم اليوم بقتل رعاياها قبل النصر على
العدو.
ثم قال : وعلى أية حال، فان كان لابد من تطبيق ذلك القانون الجائر،
فليكن الحكم عادلاً، فكل من سرق يرجع قيمة ما سرقه، وكل من قتل يقتل،على ان
هؤلاء الناس في حالة حرب، ويعانون من الفاقة والتشرد والضياع، وما سرقوا إلا لينقذوا
أنفسهم وأطفالهم من غائلة المجاعة، ولكن الحق حق والباطل باطل، وهؤلاء الذين
يسرقون اليوم من شدة الجوع وهول الحرب، هم الذين سيحاربون مع ايطاليا غداً، وسيعيد
التاريخ نفسه، فإن الحكومة إن قتلت قتلت مواطنيها، وإن عفت عفت عن مواطنيها.
ومن العجيب أن كلمات بو رجعة، مصحوبة بصدق اللهجة، وروعة المهابة
والجلال، فعلت مفعولها في نفس الجنرال، فأيقظت ضميره وحركت مشاعر الإنسانية في نفسه،
فكان هذا الرد بالغ الأثر،فهدأ من روع الجنرال بياتي كثيراً وشعر بالقناعة، ورضيت نفسه بالعفو عنهم، فأصدر عفوه العام، وكان ذلك موقفاً شجاعاً من بو رجعة.
وانفرجت الأزمة، وسمعت الزغاريد من كل مكان، وبدل الله بعد عسرٍ
يسراً، وازداد على بورجعة مجداً وشهرةً على شهرته، وعرف الإيطاليون أن أمامهم خصماً
عنيداً، ومدافعاً قوياً، ومحامياً لايعدم الحيلة للوقوع على الرد المناسب.
موقفه من حادثة السرقة :
أذكر أنه حدثت سرقة على غنم، فقتل فيها رجل يعد شيخاً في قومه كان
معدول الشخصية حسن الهيئة معروفا في قبيلته، غير مشكوك في استقامته. وكانت
فاجعة أليمة إذ كان قاتله قريبه، ولم يكن القتيل ممن يتهم بالسرقة.
دوى صوت الحادثة في كل مكان من الإقليم، وحار الناس في حل للمشكلة، هل
يؤدى القتيل أم لا، وكيف تعطى دية في رجل قتل وهو يسرق، ولو دفعت لكانت تشجيعاً
على السرقة، واعترافاً بحق السارق، وكانت السرقات في ذلك الزمن كثيرة رهيبة،
ولم يكن نجع بو رجعة نفسه بمنجاة منها، بل معظم الجبل كان يعج بالسرقات إلى حد
مخيف.
ومن نحو آخر فإن القتيل ترك مجموعة من الأفواه الصغيرة، فريسة للعري
والجوع والتشرد والضياع، فكيف يعاقبون بجناية والدهم فيحرمون من رعاية المجتمع
لهم؟.
التأم الميعاد للبحث عن حلٌ، ولكن احتار العقلاء فلجأوا إلى الرأس
المدبر، صاحب الجواب الحاضر، ليجيب على الحيرة والتساؤلات، أوكلوا إليه تدبير حل
مرض، وكان من عادته حين يسند الحديث إليه في الميعاد، أن يتحدث بصوت خفيض لا يسمعه
إلا من يكون ملاصقاً له، وفائدة ذلك أمران :
1- أن يضمن له الهيبة في نفوس الحاضرين 2- أن يضطرهم للسكوت والاستماع
إليه، أنصت الجميع، واشرأبٌت الأعناق إليه. فصمت قليلاً ثم قال :
أما السارق فلا دية له جزاء وفاقاً، زجراً للسارقين، وأما صاحب
الرزق فليس عليه عقوبة ولا دية، لأنه في موقف الدفاع عن نفسه، ولو عوقب لكان في ذلك
تشجيع للسارقين، ومن نحو آخر لو كان هو الذي قتل في غنمه تلك الليلة، وهرب
السارق، فلم يعرف قاتله، لذهب دمه هدراً لأن السارق جاء سارقاً وقاتلاً.
وأما الأفواه الصغيرة فلا ذنب لها، ومن واجب المجتمع رعايتها، ولكن
حقها ليس على القاتل وحده، بل على الجميع، فيوزع على جماعة المسلمين ما يقي هؤلاء
الصغار غائلة الجوع والتشرد، وهكذا جمع لهم من كل غنم شاة، حتى توفر لهم ما يسد
حاجتهم.
وكان هذا الحل محل اتفاق من الجميع، أرضى أهل الغنم المعتدى عليهم
وانتصف لهم، وأرضى أسرة القتيل حين كفاهم الفقر، وهدأ خواطر الذين يعانون من
متاعب السراق، واطمأنت الحكومة، وسكتت اعتراضات أصحاب المواشي الشاكين من كثرة
السرقات، فاستطار حل بو رجعة ودوٌى في جنبات إقليم برقة.
تحت ميزاب الرحمة :
ذهب مرة لأداء فريضة الحج، وكان ذلك نادرا بين سكان الجبل، وهناك أخذ
يطوف وبصحبته جماعة من رفاقه، ونظر فرأى السماء احتشدت بالغيوم، وقلما تنزل
الأمطار في مكة، والحجاج عادة يتفاءلون خيراً بنزول الأمطار في موسم الحج، ويعد عندهم
من علامات السعادة والغفران، أن يفيض ميزاب الرحمة بما ينزل على الكعبة من
ماء. فلما أدرك أن المطر قادم، قاد جماعته وأخذ يتسلل بهم في غفلة من الحجيج، حتى
وقفوا تحت الميزاب، وثبتوا هناك فرعدت السحب، وانشكع البرق وهطلت الأمطار، ففاض
الميزاب، حتى غمرت المياه جماعة بو رجعة، فتدافع أهل الموسم يتمسحون بهم، ويقتنصون شيئاً
مما حباهم الله به من الرحمة، وكانت تلك مكرمة لهم غبطهم أهل الموسم عليها
بيعه للقب الشوخة :
كانت ثقة بو رجعة بنفسه كبيرة، ومعرفته بقدره في القبيلة تدفعه أحياناً إلى
الاستقلال برأيه دون مشورة قبيلته، ومن دلائل ذكائه واستقلاله برأيه،أنه
باع الشوخة، فقد جاءه من يريد أن يبني لاسمه وأسرته شهرة، فباعها له، نظير مبلغ من
المال، فلما سمع أفراد قبيلته تلك الصفقة غضبوا، شعوراً منهم أنه بهذا الفعل يبيع
ويشتري ويتصرف قي مصيرهم دون استشارتهم، كما أنه يحول قيادة القبيلة إلى رجل آخر
بعيد عنهم، وإن كان يجمعهم نسب أعلى.
ولكن بو رجعة كان حكيماً لأنه يريد أن يكسب المال، مع علمه أن القبيلة لن
تستغني عن الانتفاع برأيه، وأن أي ميعاد قبلي يلتئم ويتغيب عنه بو رجعة، لن
يصل إلى حل، وهذا ما حدث بالفعل، فقد كسب المال وظلت مكانته هي هي، لم تستغن
القبيلة عنه، وحتى على المستوى الحكومي الرسمي لا يسمعون إلا له، ولا يقبلون إلا بحلوله
للمشكلات التي تحدث.
حياته في البادية :
كان بو رجعة يقيم نجعه جنوب البيضاء على مسافة خمسة عشر كيلو متر، قرب
غوط تكتانة حيث وكان يبني بيته الشعر المتنقل الذي يشبه الدكان أو المربوعة،
لما فيه من حصران كبيرة وألوان من هدم البادية، تحيط به بيوت أبنائه وأبناء أعمامه
الأقربين، وحيث تصهل الخيول، وتطلق المواشي ترعى في الجبال والسهول، وكان
نجع بو رجعة محط عابري السبيل، وملاذ أصحاب الشكوى وطالبي الحاجات.
وقد حدث أن توفي أحد أولاده بطريقة يشوبها شيئ من الغموض، بينما كان
في رحلة تجارية تعبر وطن العبيدات، وكثر القيل والقال حول الحادثة، وتعاطف الناس مع
الوالد الثاكل، ثم تقاطروا من أماكن شتى ليقيموا مأتماً بدوياً كبيراً للفقيد،
فاصطحبني أبي وأمي معهما إلى غوط يسمى ( منقع حصان علي )، شمال غرب سيدي الحمري، حيث يوجد نجع بو رجعة ويقام المأتم، وكانت المرة الأولى التي أراه فيها، وكان أبي
قد لقنني كلمات تعزية أقولها له حين أقابله، وبينما كنت ألعب وأنظر إلى المجموعات
وهم يعدون الطعام، شاهدت بو رجعة قادماً مع أبي وبعض الرجال، عليه برنوسه وفي يده
سوطه، فجريت نحوه وقبلت يده، وألقيت إليه بما حفظت، فأعجبه ذلك جداً وسأل عني من أكون.
ثم تقدمت أمي فغطت كفها بطرف كمها وسلمت عليه، فأخذه العجب مما رآه من مظاهر الأدب،
والتفت إلى رفاقه يحدثهم عن تربية الفقيه لأسرته.
يوم العركة بين قبيلتين :
تقع أرضنا على الحدود بين قبيلتين، فكنا نتعرض لمشكلات مع جيراننا،
في حين تتفادى قبيلتنا مثل تلك المشكلات،التي كانت تمثل لنا متاعب زائدة، وقد حدث
أن رجلاً منا عطشت غنمه وضاق عليه الحال، فتقدم إلى بئر مقفول يقع ضمن أراضي
قبيلتنا ولكن ماءه مباع إلى رجل من القبيلة المجاورة، فافتض قفله وسقى غنمه، وكان البئر
مملوءاً، ولكن شح الماء في ذلك الزمان جعل الناس ( يدشعون) عليه إلى أبعد الحدود،
فما إن بلغهم الخبر حتى اعتبروها جريمة اعتداء تهون دونها أعتى الجرائم، فتقاطرت
أفواج الرجال وجماعات الفرسان، واستعد الطرفان لمعركة طاحنة تتساقط فيها الضحايا،
وتجمع (الفزاعون) قرب بيتنا استعداداً للهجوم، ولكن تدخل عقلاء فحجزوا بين
الطرفين، وجلسوا للنقاش، وتقدم شيخ عشيرتنا فجلس قبالة شيخهم، وتحدث الطرفان فكثر
الهرج وعلت الأصوات، وأوشك الميعاد أن ينفض على سواد، استعداداً لمعركة وشيكة في
الأيام التالية.كان الخبر قد انتشر غرباً فبلغ تكتانة حيث نجع بو رجعة، فركب وصحبه أولاده على خيولهم متجهين شرقاً، وما إن رأى المختصمون خيل بو رجعة تظهر من بعيد، حتى التزموا الصمت، وسلموا قيادة دفة الحديث إلى صاحبها فارس الميعاد الذي لا يبارى، جلس بو رجعة وأخذ يتحدث إلى الخصوم همساً فلم نعد نسمع شيئاً، انتهى بو رجعة بالميعاد إلى اتفاق سلمي مريح، ولكن لا أدري كيف.
دعوه يصحبنا فربما نحتاج إليه :
كان علي بو رجعة رحمه الله، رجلاً أسمر قصيراً صغير (القموصة)، قد تقتحمه العين عند
من لا يعرفه، ولكنه كان عقلية موهوبة غير عادية، بل هي ملهمة، وكانت كلماته عليها
طابع الجلالة والاحترام بين قبائل (الحرابي)، فكانت نافذة فيهم، وكانت تسبقه
شهرته إلى مواعيدهم، فإذا خاصم سلم له الحاضرون، وكانوا يروون كلماته، ويفسرون
أجوبته، وهي غالباً أجوبة موجزة لاذعة، وبليغة ذات معان ممتدة، يساندها توفيق من قبل
العناية الإلهية، وحتى في زمن الطليان كان مسموع الكلمة، نافذ البصيرة، وكثيراً ما
وفق لحل مشكلة معقدة، أوإطلاق سراح سجين، حتى قال فيه الشاعر: (فكاك
المكلبش ساعة النزراره)، كما ذكرنا من قبل.
روى لي الحاج إبراهيم الحاسية، أنه بينما كان في أواخر الخمسينيات في المتصرفية،
مع مجموعة من ( شياب عيت حسين) إذا برزق السكوري يدخل عليـهم، وكان رجلاً ضعيفاً في
جسده متقدماً في سنه، هادئا في حركاته، كان يسكن حول موقع مدرسة الخنساء
الحالية، وكانت تلك المساحة الممتدة من السوق الفوقي جنوباً إلي موقع المدرسة، ومنها إلى
المنطقة الصناعية، ليس فيها مبان وإنما فيها إحياء لبراريك (الزينقو ).
جاء السكوري يشكو جاراً له من قبيلة بعيدة خارج المنطقة، وكان بينهما خصام حول
بناء براكة أو جدار، وكان قد تدخل جماعة من قبل لحل الإشكال بين الجاريـن، ولكن
الرجل كان متعنتاً متمنعاً بقوته وشبابه، مستهيناً بالعجوز الضعيف، وإن كان بين
أبناء عمومته وفي موقع رأسه. طرح السكوري شكواه، واستغاث بالحاضرين للذهاب معه،
لمشاهدة ظلم الرجل وطغيانه، فقامت الجماعة من المتصرفية، قال إبراهيم : فسرت في
إثرهم فالتفتوا إلي ينتهرونني (عـد يا ولــد)، ولكن بو رجعة وكان معهم، خالفهم
الرأي وقال : دعوه فربما نحتاج إليه، قال إبراهيم : فأوحت لي كلمته بشيء ما، وقوت
عزيمتي، ففسحت لي الجماعة مكانا بينهم، فمضينا وعاينا الموقع، فوجدنا الرجل مستمرا
في انتهاك حرمة جاره، غير ناظر لنصيحة ناصح، ولا ملتفت لتعقل عاقل، فتحدثت
الجماعة إليه بهـــدوء، ونصحوه بالتريث حتى تحل الخصومة بحكم العقل ومقتضى المنطق،
ولكن ذلك لم يزد الرجل إلا سخريــة واعتداءاً، قال إبراهيم : وعاينت الموقف فرأيت
أصحابي عجائز عقلاء، ولكنهم ضعفاء، فهم يملكون واحدة ويفتقدون الأخرى، بينما
صاحبنا لم يعد يتعامل بالعقل، ولا يخضع لحكم المنطق، إنه يريد حلاً أخر تعجز عنه جماعتي،
وفكرت في نفسي فوجدت الحل الذي يعيد الرجل إلى صوابه، فلم يشعروا في لمح البصر إلا
وقد قبضت على كفي، وأهويت به تحت إذنه، فجاء طريحاً كأنما نام منذ الأمس، وارتبك
الرجال، ولكني لم المح في عيني بو رجعة، إلا بريــق السعادة ونشوة الانتصـار،
والوقوع على الجواب الشافي.
التفت إلي يهددني : ايش عملت يا ولد، قبح الله سعيك وفعل بــك وفعل... ويعلم الله
لو لم يتمالك في تلك اللحظة نفسه - خوفاً من وقوع الحق عليه - لهجم علي فاحتضنني،
وقبل مابين عيني، ولما استيقظ الرجل من رقدته، وجدناه قد هدأ ولان (واسترطب )،
وعرف بنفسه موطن الحق، فسارع يقول : (خلاص اللي اديروه علي ماشي، بس تاخذوا لي
حقي، من هذا اللي ضربني قدام هلي).
وهنا فقط تذكرت الجماعة وفهمت كلمة رفيقهم الحكيمة، ( دعوه فربما نحتاج إليه )، نعم لقد
وجد بو رجعة الحل الذي لم تجده جماعته، وفكر فيه في اللحظة التي كان فيها السكوري
يعرض شكواه، أثناء جلوسهم في مبنى المتصرفية، وقبل أن يغادروها إلى الموقع، تلك
عقول الأفذاذ تنظر دائماً إلى الأمام، وتقرأ المستقبل قبل الوصول إليه.
عبد الحاكم العقاب وعلى بو رجعة :
كان عبد الحاكم العقاب شيخاً من شيوخ الحاسة، وكان يعمل مديراً لإحدى المناطق،
أظنها قندولة أو عمر المختار، وكان يمر بنا في البادية وهو في طريقه إلى عمله قادما من
جهة شحات، كان رجلاً نظيفا لامعاً تراه من بعيد، ( يبقٌص) بملابسه البيضاء وسط
الغابات الكثيفة الخضراء، مكتمل الرجولة، وافر الجسم، وكان يمكث في النجع لبعض
الوقت، لأن أمه زينب كانت تجاورنا، فكان يمر ليطمئن عليها.
كان عبد الحاكم رجل مواعيد وخصومات، كما يكون عادة شيخ القبيلة في المجتمع البدوي،
ولكن يبدو إنه كان يتميز بصفات أخرى، منها أنه كان عندما يتعثر في حل مشكلة،
يستعين بعقول رجال أقدر منه لحلها، وفي الحكمة : من شاور الرجال شاركها في عقولها،
وهكذا كان يستنجد برجال كعلي بو رجعة الذي كان أسن منه، وأقدر بحكم طول الممارسة
والتجربة، ويمكن أن نفهم ذلك من هذه الحادثة.
روى لي أحد معارفي الموثوقين، قال : كنت قادماً إلى متصرفية البيضاء مع أبي لبعض
الأمور، وكان ذلك في منتصف الخمسينيات وبينما كنا في انتظار المدير دخل علينا عبد
الحاكم العقاب، وسلم وجلس، وبعد قليل وصل علي رو رجعة، فسلم أيضاً وجلس، وفهمنا أن
عبد الحاكم استدعى بو رجعة ليقف إلى جواره ويسانده، في خصومة بينه وبين جماعة
من قبيلة العبيدات، والذين سيصلون بعد قليل.
قال محدثي وجلس الرجلان يتحدثان، ثم تحول الحديث إلى جــدال حــاد وتطور، فتفوه
كل منهما بكلام قاس خشن لصاحبه، حتى إن بو رجعة تنـاول كرسياً وأهوى به على
راس صاحبه فسبب له (فجخة)، وانبثق منه الدم، فلم يفعل عبد الحاكم شيئاً أكثر من إنه
قام بكل هدوء إلى حوض قريب، وأخذ يغسل دمه، الذي سال فتساقط على جرده وكاطه وكمه،
وقبل أن يعود عبد الحاكم إلى المجلس، وصل خصومه العبيدات، فلم ينتظره بو رجعة وإنما
فتح النقاش، فلما عاد عبد الحاكم وجد الحديث حول الموضوع قد اخذ مجراه، فسلم
الأمر إلى بو رجعة واكتفى بالاستماع، وترك لبورجعة إدارة دفة الخصومة بذكاء وحذق
نيابة عنه، وكان يدعم صاحبه من حين إلى أخر بابتسامة رضا أو هزة راس، وطال النقاش ثم
انتهى إلى تسليم القــوم واعترافهم بحق عبد الحاكم، وخضعوا للحل الذي عرضه بو رجعة،
وهكذا استطاع بو رجعة أن يخرج الخصوم مغلوبين (على لوحة) فقد ثبّت الحق عليهم،
وقلب القضية لصالح صاحبه، وكتب المدير الوثيقة بين الطرفين.
وغادر الخصوم العبيدات مبنى المتصرفية، وبعدهم بقليل خــرج العـقـاب وصاحبه بو
رجعه، يمشيان جنبا إلى جنب كأعز ما يكون الأصدقاء الأعزاء.
وتعد هذه أعجوبة من الأعاجيب في أخلاق الرجلين، ومن الخير أن نترك لك تقدير مواطن العظمة فيشخصية كل منهما.
انتقاله إلى القرية :
رأى بو رجعة ضرورة الانتقال إلى السكنى في البيضاء ليكون قريباً من
دوائر الحكومة التي كانت دائماً تستدعيه من البادية، للاستعانة برأيه في حل
المشكلات الكثيرة التي تحدث، أو حضور ميعاد، أو للاستشارة في أي أمر محيٌر، وكانت
الرحلة من البادية إلى القرية تكلفه متاعب وقد يستغرق ذلك وقتاً وجهداً، لذلك اشترى
بيتاً قديماً بالسوق الفوقي يسمى بيت الشافعي، فتحولت قيادة القبيلة والمواعيد
إلى ذلك البيت، وكنت وأنا صغير أحضر مع أبي إليه.
وقد أدرك حسين مازق والي برقة حينذاك، هذه المنحة العقلية المتميٌزة
عند بو رجعة، وعرف قيمتها، فكان كثيراً ما يأمر متصرف البيضاء بترحيل بو رجعة من
البيضاء إليه في بنغازي، للاستعانة به في حضور ميعاد وحلٌ مشكلة حار فيها شيوخ
القبائل هناك، فما إن يجلس بو رجعة وسط القوم، حتى يفوضوا إليه الحديث للإدلاء
بالحل الذي يراه، وأنهم جميعاً آذان صاغية لما يقول، ثم لا أحد يتعدى كلمته.
وبذلك استطار اسم بو رجعة فغرب وشرق، على مستوى برقة، وحمل معه اسم قبيلة
البراعصة إلى الآفاق، للمرة الأولى وربما الأخيرة، إذ لم يعد لها بعد رحيل بو رجعة-
وحتى الآن - رجل يملأ تلك المكانة.
ولكن لم يلبث بو رجعة أن مرض في أوائل الستينيات، فاقترح عليه أن يرحل
إلى مصر التماساً للعافية، ووقع الاختيار على أحد أبنائه لمرافقته، ولم يكن السفر
إلى مصر في ذلك الزمن معتاداً ولا يسيراً، إذ لم تكن المواصلات متوفرة، ولا الطرق
ممهدة.وفاته : توفي بو رجعة في مصر عام 1964، ووقع خبر وفاته على برقة كلها
وقوع الصاعقة، فعمها الحزن على رحيل فكاك مشكلاتها، وتقاطرت الوفود للتعزية فيه
وانتظار وصول جثمانه، لست أكتمكم أنني سمعت بعض أفراد القبيلة، يعبرون عن شديد
حزنهم على وفاة بو رجعة، وتزداد قلوبهم حسرة وكمداً لأمرين :
أنه توفي بعيداً في بلاد غربة، وما كان ينبغي لمثله أن يعيش ويموت إلا
محوطاً بأهله وأفراد قبيلته، ولكنها إرادة الله، ثم لوصول جثمانه مشدوداً فوق سقف
سيارة، عبرت به من الحدود الشرقية لبرقة حتى منتصف البلاد، ومن المحتمل أن رجال
القبائل التي مرت بها السيارة، كانوا يسألون من هذا الجثمان ؟ فيقال لهم إنه على بو
رجعة، فيقولون أهو الشيخ المشهور عند البراعصة ؟ فيقال نعم، إنه أمير وطن وليس
فرداً عادياً، إنه صاحب عقل جبار، وفارس ميعاد لا يشق له غبار، ورجل قبيلة ليس له
نظير:حلف الزمان ليأتينٌ بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفٌر
احتشدت الجموع لتلقي نظرة وداع على جثمان بو رجعة،الذي وصل بعد أيام،
وبعدها ووري الثرى أمام ضريح الأنصاري، على يسار الصاعد على الدرجات نحو مدخل
الضريح، وإلى جواره ينام المقدم سعد بو الطايع، والعقيد غيث اقدورة، عليهم رحمة الله
أجمعين
( من مقالة للدكتور د. إدريس فضيل 2/1/2009
نشرت بموقع السلفيوم )

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~
لحظة الوداع من أصعب اللحظات على البشر .. ولكن ما باليد حيله
وداعا ... لك ايها المنتدى الغالي..وداعا ... لكم يا أعضاء منتديات عيت ارفاد التميمي
وداعا ... لكل من اسعدته ..وداعا ... لكل من احزنته..وداعا ... لكل من أحبني
وداعا ... لكل من كرهني ..وداعا ... لكل من كنت ضيفا خفيفا عليه ..
وداعا ... لكل من كنت ضيفا ثقيلا عليه ..وداعا ... وكلي ألم لفراقكم
لأنكم أفضل من إستقبلني ..وداعا ... وكلي حزن لأنكم خير من شرفني
وداعا ... واجعلوا ايامي التي لم تعجبكم في طي النسيان ..فقط تذكروني بينكم!!
وداعا ... واستودعكــــــــــم الله الذي لا تضيع ودائـــــــــــــعه
اتمني لكم اوقات سعيد
واتمني التقدم لهذا المنتدى الرائع


زهرة اللوتس
إداري
إداري

انثى
عدد المشاركات : 124527
العمر : 34
رقم العضوية : 2346
قوة التقييم : 157
تاريخ التسجيل : 30/06/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشيخ علي محمد بو رجعة ..

مُساهمة من طرف amol في 2011-11-15, 9:20 am


-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~





amol
مستشار
مستشار

انثى
عدد المشاركات : 36762
العمر : 35
رقم العضوية : 2742
قوة التقييم : 9
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشيخ علي محمد بو رجعة ..

مُساهمة من طرف زهرة اللوتس في 2011-11-15, 10:12 am

مشكورين اسعدني تواجدكم الرائع في صفحاتي..وفقكم الله

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~
لحظة الوداع من أصعب اللحظات على البشر .. ولكن ما باليد حيله
وداعا ... لك ايها المنتدى الغالي..وداعا ... لكم يا أعضاء منتديات عيت ارفاد التميمي
وداعا ... لكل من اسعدته ..وداعا ... لكل من احزنته..وداعا ... لكل من أحبني
وداعا ... لكل من كرهني ..وداعا ... لكل من كنت ضيفا خفيفا عليه ..
وداعا ... لكل من كنت ضيفا ثقيلا عليه ..وداعا ... وكلي ألم لفراقكم
لأنكم أفضل من إستقبلني ..وداعا ... وكلي حزن لأنكم خير من شرفني
وداعا ... واجعلوا ايامي التي لم تعجبكم في طي النسيان ..فقط تذكروني بينكم!!
وداعا ... واستودعكــــــــــم الله الذي لا تضيع ودائـــــــــــــعه
اتمني لكم اوقات سعيد
واتمني التقدم لهذا المنتدى الرائع


زهرة اللوتس
إداري
إداري

انثى
عدد المشاركات : 124527
العمر : 34
رقم العضوية : 2346
قوة التقييم : 157
تاريخ التسجيل : 30/06/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشيخ علي محمد بو رجعة ..

مُساهمة من طرف اسماعيل ادريس في 2011-11-15, 3:59 pm

مشكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوره زهره

اسماعيل ادريس
مستشار
مستشار

ذكر
عدد المشاركات : 15213
العمر : 42
رقم العضوية : 1268
قوة التقييم : 66
تاريخ التسجيل : 28/02/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الشيخ علي محمد بو رجعة ..

مُساهمة من طرف زهرة اللوتس في 2011-11-15, 5:07 pm

لكم شكري لتواجدكم ومتابعتكم الرائعة ..وفقكم الله

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~
لحظة الوداع من أصعب اللحظات على البشر .. ولكن ما باليد حيله
وداعا ... لك ايها المنتدى الغالي..وداعا ... لكم يا أعضاء منتديات عيت ارفاد التميمي
وداعا ... لكل من اسعدته ..وداعا ... لكل من احزنته..وداعا ... لكل من أحبني
وداعا ... لكل من كرهني ..وداعا ... لكل من كنت ضيفا خفيفا عليه ..
وداعا ... لكل من كنت ضيفا ثقيلا عليه ..وداعا ... وكلي ألم لفراقكم
لأنكم أفضل من إستقبلني ..وداعا ... وكلي حزن لأنكم خير من شرفني
وداعا ... واجعلوا ايامي التي لم تعجبكم في طي النسيان ..فقط تذكروني بينكم!!
وداعا ... واستودعكــــــــــم الله الذي لا تضيع ودائـــــــــــــعه
اتمني لكم اوقات سعيد
واتمني التقدم لهذا المنتدى الرائع


زهرة اللوتس
إداري
إداري

انثى
عدد المشاركات : 124527
العمر : 34
رقم العضوية : 2346
قوة التقييم : 157
تاريخ التسجيل : 30/06/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى