منتديات عيت ارفاد التميمي
أهلاً وسهلاً بك عزيزي الزائر في منتديات عيت أرفاد التميمي .. تفضل بالدخول ان كنت عضواً وبالتسجيل ان لم يكن لديك حساب وذلك للحصول علي كامل المزايا ولمشاهدة المنتديات المخفية عن الزوار..
إعلانات المنتدي

الأخوة الزوار

سجل فوراً في منتديات عيت أرفاد التميمي لتنال احقية مشاهدة اخبار المنطقة ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في التميمي - اخبار المنطقة محجوبة عن الزوار

الأعضاء الكرام

الكلمة الطيبة صدقة والاحترام المتبادل تاج علي رؤوسكم وتذكروا قول الله عز وجل !! ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
المواضيع الأخيرة
» "بنغازي" ابرز ماجاء في المؤتمر الصحفي
اليوم في 6:02 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» داعش الإرهابي يعلن عن عملية نوعية
اليوم في 6:00 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» تم نقلهم الى المرج
اليوم في 5:55 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» ماتم الحصول عليه من ارهابى الشركسى
اليوم في 5:49 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» صنع الله ينفي وجدو مرتزقة أفارقة في الهلال النفطي
اليوم في 5:39 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» إجتمع رئيس الحكومة المؤقتة "عبدالله الثني"
اليوم في 5:33 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» 6 غارات جوية مكثفة على تمركزات ميليشيات الجضران
اليوم في 5:31 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» العافية بمدينة هون يستقبل عدد من الجرحي
اليوم في 5:26 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» تقدم القوات المسلحة العربية الليبية
اليوم في 5:24 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» شاهد قناه الكذب النبأ
اليوم في 5:22 pm من طرف عبدالحفيظ عوض ربيع

» إقاف عملية حجز المواعيد في منضومة حجز مواعيد استخراج جوازات السفر
اليوم في 11:02 am من طرف STAR

» التوزيعات النقدية لفروع المصارف التجارية بالمنطقة الشرقية للمصارف
اليوم في 10:12 am من طرف STAR

» هل تنوي زيارتها قريباً؟ إليك أفضل 10 مدن ملاهٍ في أميركا
اليوم في 9:47 am من طرف STAR

» الثني يعقد اجتماعًا لمناقشة الأحوال بمدينة درنة
اليوم في 9:32 am من طرف STAR

» بلدية طبرق تبحث علاج مشاكل تلوث المياه و الشواطىء بالمدينة
اليوم في 9:31 am من طرف STAR

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم


مرضى حكموا العالم (موشي دايان MOSHE DAYAN) الجزء3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مرضى حكموا العالم (موشي دايان MOSHE DAYAN) الجزء3

مُساهمة من طرف STAR في 2011-11-11, 10:24 am

مرضى حكموا العالم (موشي دايان MOSHE DAYAN)

"ديجانيا" كلمة عبرية تعني أهراء القمح، وتشير إلى الإهراء التي أنشئت في جنوب طبريا، حيث يصيب نهر الأردن الذي بعد رحلته الكسولة خلال هذه البحرية الواسعة الأرجاء من المياه الحلوة، يعرج في طريقه نزولاً ليصب في البحر الميت.

وسط الجنائن الغناء، والهضاب التي تكسوها أشجار الصبر، والبساتين المثمرة أقيمت قرية تستحق الزيارة هذه ما يقوه دليل السياحة الإسرائيلي، كما أن المؤرخين الإسرائيليين، ينصحون أيضاً بذلك ملحين، ومشوقين السياح للقيام بهذه الجولة، ولكن لهذا الإلحاح غاية في نفس يعقوب، وهم يطلقون اسماً ثانياً على هذه القرية، فيدعونها، أم الكيبوتزيم، والكيبوتزيم هي فئة من الفئات اليهودية، وهذه القرية تشكل المستعمرة الزراعية الاشتراكية الأولى، التي غرست في الأرض الفلسطينية المحتلة، وقد جعل منها الصهاينة، ومثالاً يحتذى إذ أنشأها البناؤون القادمون من روسيا سنة 1909، وكانوا بأكثريتهم من الأوكرانيين الذين نجوا من المذابح في أيام القياصرة، فاتجهوا إلى أرض الميعاد، وذلك بمساعدة الأخوية اليهودية وهي حركة يهودية مستوحاة، من كتابات الفيلسوف اليهودي الألماني، موسى هيس وهو من رواد الحركة الصهيونية.

لدى وصول المستعمرين اليهود، طهروا هذا الوادي الخصيب من وباء الملاريا المستوطن فيه، ثم باشروا أعمال الفلاحة فبذروا، وغرسوا دون أن يهملوا أي صنف من القمح، والخضراوات والأشجار المثمرة، ومن أوائل الواصلين إلى المنطقة عائلة دايان ومن بينهم "صموئيل" و"دقورا" تزوجا سنة 1914 وفي عجلة من أمرها أنجبا في سنتهما الأولى من الزواج طفلهما "موشي" الذي أصبح فيما بعد، موضع شك وجدال بين الإسرائيليين، من حيث البطولة والإنجازات التي قام بها، وقد أطلقت عليه ألقاب وتسميات عديدة؛ قاهر الصحاري، المحارب العنيد، المزارع الجندي، ولكن مهما قيل عنه واختلف في تقويمه فموشي دايان حلقة أساسية من الرجال الذين بنوا دولة إسرائيل.

في ثلاث مراحل، وخلال من الحروب التي خاضها، أسهم بكفاءته العسكرية المعترف بها، في إنقاذ الجيش الإسرائيلي من هزيمة مؤكدة، وقد اشترك كوزير، في العديد من الحكومات، وكان لدبلوماسيته, الأثر الفعال, في ايصال بلاده, إلى معاهد السلام الوحيدة التي وقعتها إسرائيل مع العرب، حتى الآن؛ المعاهدة التي أنهت حالة الحرب مع مصر أكبر وأقوى البلاد العربية المعادية، التي تحيط بها من جميع الجهات منذ ذنة 1979.



موشي ديام لم تعفه الأمراض:

كان موشي دايان، دون أدنى شك، الخليفة البديهي الأكثر كفاءة للرئيس بن غوريون إلا أن الأمراض التي أصيب بها، والتي شاع صيتها في البلاد شوهت صورته وصففت من وهج أسطورته، حيث كل شيء يرى، ويسمع ويؤخذ بعين الاعتبار، وخصوصاً على صعيد أصحاب السلطة والمجد مما جعل مجلس النواب والحكم، يتجاوزه ويسقط من حسابه وبالمناسبة، لابد لنا من القول أن كل من عرف، أو اختلط عن قرب بال دايان لاحظ أن أفراد هذه العائلة، لهم عقلية خاصة بهم فهم يحبون الاستقلالية، ولهم شخصيات قوية ويفضلون العزلة والانفراد، وقد اعترف موشي دايان، بهذه الصفات في مذكراته: لكي أفكر لست بحاجة إلى الكلام، ولا إلى السمع؛ وأشعر من وقت لآخر بحاجة إلى الانفراد.

وهذا النوع من الحياة والسلوك، هو صفة مشتركة، بين سكان المستوطنات الإشتراكية، فالحياة في هذه المستوطنات التي أصبحت فيما بعد إسرائيل كانت تفرض عليهم هذا النوع من الحياة الانعزالية، إذ يكون خلال النهار، الجميع في عملهم، رجالاً ونساءً في الحقول، أو المصانع، ويشكلون أثناء عملهم جماعات، ليتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم بصورة أفضل، ضد هجمات العربان الذين يتربصون بهم الدوائر.

وكان كل منهم يضع بالقرب منه أثناء العمل، وفي متناول يده سلاحه الفردي، أما في أثناء الليل فكانوا يتناوبون على حراسة مخابئهم، فلم يكونوا يشاهدون أولادهم إلا لوقت قصير قبل العشاء، فكان الأطفال والأولاد مجتمعين دائماً في مكان واحد، تحت حراسة مشددة، خوفاً من الاعتداءات، ولا يعرفون سوى المعلمات اللواتي يتولين جميع أمورهم، فهذا النمط من الحياة، ولمدة طويلة، يطبع من يمارسه بطابع الاستقلالية، والانعزالية.

بقي آل دايان على هذا النمط من الحياة، حتى ضاقوا ذرعاً فولوا الأدبار هرباً من هذا الجحيم، وغادروا دجانياً سنة 1921، مشياً على الأقدام، حتى وصلوا إلى وادي جزرل، فنصبوا خيمتهم بين غيرها من الخيام، في موقع يدعى نهالا، التي أصبحت فيما بعد نموذجاً جديداً في إسرائيل، إذ أصبحت قرية تعاونية، وقد أنشئت بشكل مستدير، يلفت الأنظار، ففي الوسائط، أقيمت المنازل والمدراس، والبيوت الزراعية، أما الأراضي فقد قسمت بالتساوي ووزعت بطريقة القرعة، فكان من نصيب آل ديان، الحصة رقم (53) التي أصبـحت فيما بعد مزرعة العائلة.

وهكذا كان سكان القرية؛ تسكن كل عائلة بالقرب من الأخرى، فحافظة على استقلاليتها وملكيتها للحصة التي كانت من نصيبها، تتصرف بها على الشكل الذي تريده، فكان المنزل ملجأ، أو عشاً يلجأون إليه، أما دفورا، والدة موشي، فكانت متعلقة بالأرض، تجدها في الحقول دائماً، تعمل بيديها ورجليها، ولا تعود إلى المنزل إلا ليلاً، لتأوي إلى فراشها، ولم تغادر أرضها، إلا إلى مأواها الأخير، إثر إصابتها بسرطان الكبد الذي امتد إلى الرئتين ونال منها سنة 1956، أما صغارها فكانوا يتنقلون متسكعين من مكان إلى آخر، ويعودون إلى العش، في أوقات متفاوتة، حتى تركوه، وطاروا، إلى غير رجعة.

أما الوالد صموئيل وهو مناضل عمالي- صهيوني فأخذ يتجول في البلاد الأوروبية وفي العالم الجديد، يجمع الأموال لتغطية صناديق التنظيمات الصهيونية السرية التي تخطط للاستيلاء على فلسطين.

وبالعودة إلى زوريك وأقيقا أشقاء موشي فقد انتقلا إلى لندن لإتمام دراستهما، خلافاً لأخيهما الأكبر موشي الذي ترك المدرسة، وهو في الرابعة عشر من عمره، منتسباً إلى عصابة "الهاغانا" الإرهابية السرية مدفوعاً بحبّه للعنف والمغامرة، وكانت البلاد تغرق في مرحلة رهيبة لا تنسى، مما حدا بالأحداث والمراهقين إلى الاشتراك بلعبة البالغين من الرجال كالقتل، والذبح، والنسف، وغيرها من الأعمال البربرية.

كلّ ذلك بالرغم من الوجود البريطاني، إذ أن فلسطين كانت قد وضعت تحت الانتداب كغيرها من البلاد العربية ضمن حصة التاج البريطاني، إثر الهزيمة التي منيت بها السلطنة العثمانية، وتمزق امبراطوريتها الشاسعة في الحرب العالمية الأولى.

كما نالت فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان سنة 1920 وكان سكان فلسطين ينقسمون إلى مجموعتين: عربية ويهودية.

وكان كل فريق، ينظر إلى الفريق الآخر شزرا، وكثيرا ما كانوا يتناحرون ويختلفون على ملكية بعض الأراضي، والويل ثم الويل لمن يغامر بنفسه فيدخل بطريقة الخطأ وخصوصاً إذا كان ليلا، فيكون كمن سعى إلى حتفه بظلفه، إذ غالباً ما يضيع وتختفي آثاره؛ وخصوصاً عند اقتراب اندلاع الحرب العالمية، فكانت كلما اقتربت ازدادت العداوة الكراهية حدة بين الطرفين اللدودين أصلاً.. فالعرب تحيزوا للمحور المؤلف من ألمانيا، وإيطاليا، واليابان وذلك ليس فقط أسوة بزعيمهم الكبير سماحة المفتي محمد أمين الحسيني الذي لجأ، إلى برلين 1942، بل كرهاً ببريطانيا وجنودها الذين يساعدون الصهاينة ويناصرونهم على العرب، ويسربون السلاح والذخيرة إلى الهاغانا، ويدربون بعض أفرادها.

وفي هذا السياق، لابد لنا انسجاماً مع ذكر كل ذي فضل فضله، أن نخصّ بالذكر ضابطاً بريطانياً برتبة نقيب يدعى شارل أوردر وينقيت، ومن المؤكد أن صهيوني قلباً وقالباً، وكان قد نال سابقاً في برمانيا شهرة كبيرة في تدريب جنود صاحب الجلالة، على القتال ليلا، أما في فلسطين فقد كلف نفسه بتدريب شباب الهاغانا على القتال والدفاع الذاتي، وبشكل خاص تدريب الفتى موشي دايان وإعداده ليكون ذا شأن في الميدان العسكري.

أما التدريبات فكانت تجري في مستعمرة عين هارود المشرفة على مدخل وادي بيت شان الذي كان يشكل البؤرة المناسبة لخبرات رجال الهاغانا، جيش إسرائيل السري، كما أنه في العديد من المعارك، التي كان النصر فيها على وشك، أن يكون إلى جانب العرب، كان جنود صاحب الجلالة يهبّون لنجدة حلفائهم الهاغانيين.

وفي تلك الحقبة، في تموز 1938، كان النقيب وينفيت يدرب النخبة من البالماش، قوة الصدم الصهيونية، وفي حينه تمكنت الهاغانا من دس موشي دايان، برتبة رقيب أول في صفوف رجال الشرطة المحلية المتعاونة مع البريطانيين، وهكذا خلال سنة واحدة، وبموجب برامج مكثفة تدريبية جعل منه البريطانيون، ضابط كومندوس فعالاً وقد أطلقت القيادة البريطانية على النقيب الإنكليزي وينقيت لقب "لورنس فلسطين".

وخلافاً لكل توقع، كاد ينتهي دايان من تدريباته على يد النقيب "وينقيت" حتى اعتقل من قبل المخابرات البريطانية بتهمة القيام بنشاطات شبه عسكرية منافية للقانون، فحكم عليه بالسجن عشر سنوات، وذلك في 5 تشرين الأول 1939، بدأ بتنفيذها في سجن "مار- حنا دارك" لكنه أخلي سبيه بعد سنتين.

سنة 1941، لم تكن بريطانيا وجيوشها في وضع مريح "فقد كفاها ما تعرضت له من الضغط المريع من جراء الغارات الجوية الرهيبة التي كانت تشنها طائرات السلاح الجوي الألماني على أراضيها ليلاً وقد استهدفت العاصمة لندن، بشكل خاص.

ففي الشرق الأوسط، والبحر الأبيض المتوسط كانت بريطانيا في صراع مع جيوش الشرق الفرنسية، بإمرة الجنرال "هنري –فرناند دانز" الموالي لحكومة فيليب بيتان المسماة: حكومة: فيشي –وكانوا بنفس الوقت، يخشون من عملية إنزال في لبنان وسوريا تقوم بها جيوش المحور، من ألمانيا وإيطاليا.

وفي سباق مع هذه القوات ومنعاً لمثل هذه العملية التي فيما لو تمت بنجاح، لمهدت الطريق أمام النازيين، إلى العراق والخليج العربي، وبالتالي منابع البترول.

كما أنه من البديهي حينئذ انضام تركيا إلى المحور؛ تركيا، التي تنتظر على أحر من الجمر للاشتراك بحرب رابحة ضد الغرب، لتثأر لنفسها من الدول التي أذاقتها، مرارة الهزيمة النكراء في الحرب العالمية الأولى، والتي ما زال طعمها العلقمي تحت لسانها حتى اليوم ووجدت بريطانيا لزاماً عليها، أن تحتل هذه المواقع في لبنان وسوريا وطرد الجنرال دانز وقواته منها: ولم يكن لديها، سوى الاعتماد على نفسها، مستعينة في ذلك ببعض قوات التاج البريطاني من استراليا، وسكوتلندا، ونيوزلندا، كذلك بعض الهنود والإفريقيين، كما هبّ لنجدتها الجنرال شارل ديغول بالقوات الفرنسية الحرة وبعض المتطوعين من الشرق الأوسط.

أما موشي دايان، فلم يدع الفرصة تفوته، في محاولة لتلميعصورته في نظر البريطانيين، فالتحق بصفوفهم على رأس خمسين من إرهابييه، فاشترك في إحدى المعارك، حيث فقد إحدى عينيه إذ كان يستكشف بمنظاره، موقع مدفع رشاش معاد، فأصيب بطلقة، حطمت المنظار وتناثرت شظاياه المعدنية والزجاجية في كل جهة، فاقتلعت إحداها عينه اليسرى وبعضاً من قاعدة أنفه، كما دخل العديد من الشظايا إلى جمجمته، لكنه نجا بأعجوبة، وقضى بقية حياته معصوب العين.

ومن هنا لقبه العرب بالأعور الدجال، أما مواطنوه الصهاينة فقد جعلوا منه أسطورة بطولية، فعظموا من صفاته، وضخموا انجازاته، فذاع صيته، مخترقاً الحدود إذ أنه عرف كيف يكسب ود الصحافة الوطنية والخارجية.

فتمكن من شقلبة التراتبية العسكرية والتسلق بسرعة إلى المراتب العالية، ولكن من الأرجح أنه لم يكن ليتوصل إلى هذا النجاح المبكر دون رعاية "بن غوريون" الذي جعل منه فتاه المدلل، وفي لفتة خاصة، طلب منه شخصياً، الانتساب إلى حزب "ماباي" سنة 1946 ومن ذلك الحين لم يدع فرصة، إلا استغلها لدفعه قدماً إلى الأمام، فأرسله لتمثيل حزب العمال، في المؤتمر الصهيوني الذي انعقد في مدينة بال ومن ثم كلفه بتنظيم الجهاز السري لمنظمة الهاغانا ثم ألحقه بخدمة كمستشار خاص له للشؤون العسكرية.

وفي سنة 1952 أرسل بن غوريون محظيه لتحسين ثقافته العسكرية في مدرسة الضباط البريطانيين العليا ولدى عودته في السنة التالية، رُقي إلى رتبة جنرال ثم جعل منه رئيساً للأركان في الجيش الإسرائيلي، ولما يكمل الثامنة والثلانين من عمره، ومركزه الجديد، سمح له بإعادة تنظيم الجيش وتحديثه، ومنها انقاص عمر التقاعد بالنسبة للقادة ذوي الرتب العالية وذلك إفساحاً في المجال للعناصر الشابة، كما أجبر كافة الضباط على الخضوع لتدروة تدريبية مظلية حتى الحصول على شهادة في هذا المجال، وأحدث مناقلة واسعة بين العسكريين، ولاسيما الضباط منهم، وغير وبدل في توزيع الألوية والفرق بموجب استراتيجية حديثة ونشرها على الحدود بحسب خطورتها وأهميتها.

في 28 تموز 1956 انتقلت "دقورا: والدة موشي دايان إلى الآخرة متأثرة، بورم سرطاني، تحمله في أحشائها منذ زمن بعيد، مما كان له وقع أليم جداً في نفس ولدها موشي، ولكنه لم يشترك في تقاليد الشيقا؛ الاي هي عبارة عن مجلس حزن، حيث يجتمع الأهل في مكان واحد لمدة سبعة أيام، ويتوافد الأقارب والأصدقاء، للتعزية.

لكنه خوفاً من الظهور، حزيناً، كسير الخاصر، فيبدي ضعفاً لا يليق ببطل قومي مثله، آثر الانزواء، مختفياً عن الأنظار، كما أوضحت يآل، ابنته، التي تعرفه جيداً.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى، فكثيراً ما كان يعتزل منطويا على نفسه، خصوصاً عندما كان يدور في خلده ما يشغل باله ويقلقه، وفي عزلته الأخيرة أمضى وقته في وضع اللمسات الأخيرة للدور الذي أسند إلى الجيش الإسرائيلي بالاشتراك مع بريطانيا وفرنسا، في الاعتداء الثلاثي الشهير على قناة السويس، بعد تأميمها من قبل الزعيم العربي الكبير المرحوم جمال عبد الناصر.



خروتشوف يهزم زعماء المرضى:

من المفيد، أن نشرح في هذه العجالة، الظروف التي ساعدت على تراجع حكام الغرب عن غيّهم، وانسحاب جيوشهم من الأراضي المصرية على عجل، ففي تشرين الثاني سنة 1956 خلال الجلسة العاصفة التي وضعت الشرق في مواجهة عنيفة مع الغرب بخصوص الأعمال الحربية التي جرت فصولها في مصر.

وفي تلك الأثناء كان الرفيق نيكيتا خروتشوف يتربع سعيداً في قصر الكرملين على رأس السلطة في الاتحاد السوفياتي أيام عزه، ورئيسه يتمتع بكامل قواه العقلية والجسدية، محتقن الوجه، منفتح الأوداج يكاد يتفجر حنقاً وغيظاً، موزعاً زئيره وزمجرته في كل اتجاه متوعداً مهددا باستعمال القنبلة الذرية، وكان ينظر شزراً في وجوه الحضور بعيون تكاد تقدح شرراً، وقد خص أنتوني إيدن بالقسط الأوفر من لفتاته الكريمة، فانهار تماماً، عندما علا هدير موسكو، وبدأ متهدماً متقوقعاً، مهزوماً مسلوب الإرادة، وكانت هذه الظاهرة مستغربة عند رئيس وزراء بريطانيا الذي خطط وكان له الدور الأول في اجتياح الأراضي المصرية، إنما فيما بعد، أوضح الأمر اللورد إيفن، طبيب الرئيس إيدن الخاص، الذي أعلن أنه خلال هذه الحقبة كان إيدن مريضاً، يتعاطى مادة "البنزدرين" ليتمكن من التحامل على نفسه، ويحافظ على مظهره، كرجل كبير، في محاولة فاشلة لتقليد معلمه "ونستون تشرشل" لكنه طقطق، في اللحظة الحاسمة مقتنعاً من الغنيمة بالهزيمة.

أما الرئيس الأمريكي فمن جهته لم يكن في وضع أفضل، فحالته الصحية لم تكن تسمح له بالمحافظة على رباطة جأشه، ومواجهة السوفياتي العنيف، إذ كان بدوره مريضاً، يشكو من صعوبات قلبية حادة، كما أنه منذ برهة وجيزة، أخضع لجراحة كبيرة، لاستئصال قرحة معوية متقدمة، كما أن وزير خارجيته، المؤهل والأكثر جدارة بمساعدة رئيسه: جون فوستر دالس، مريض بدوره، يشكو من ورم سرطاني خبيب في مؤخرته؛ وإذا كان على معرفة تامة بحالته الصحية وباقتراب نهايته، انفتح لخلفه "دين رسك" سنة 1959 الذي أصبح وزير الخارجية في عهد كندي، وجونسون فقال هل تعرف، لو كنت بكامل صحتي ولم أكن في تنازع بقاء مع سرطاني، لكنت عالجت أمر قناة السويس بشكل مختلف تماما.



موشي دايان يمارس السياسة:

سنة 1957 انتهى الاحتلال الصهيوني، وانسحبت جيوشه من سيناء، فانسحب موشي دايان من الجيش واضعاً حداً لحياته العسكرية، كغيره من كبار الضباط الذين أحيلوا إلى التقاعد فاقتحم المعترك السياسي، موظفاً إنجازاته، وشهرته في ميدانه الجديد، فدخل الكنيست من بابه الواسع، كنائب عن حزب بن غوريون "الماباي" واشترك في وزارته كوزير للزراعة سنة 1959، ولدى استقالة العجوز حافظ على وزارته في حكومة لافي أشكول وكانت مرحلة ذهبية بالنسبة إليه كما كتب مترجمو سيرته.

في الحقيقة بدأ يفتتي، إذ ظهرت عليه معالم الفضفضة، والرحرحة وأصبح يتصرف بطريقة أهل الجاه والثروة، وفي نزوة ملحة لا عهد له بها، أخذ يجمع الأثريات، بشكل أو بآخر، وبطرق ملتوية في بعض الأحيان، فيكدسها في فيلته الجميلة، وحديقته المنسّقة، في ناحية "زحالا" إحدى ضواحي تل أبيب.

وعلى سبيل التسلية وانسجاماً مع نفسه كمزارع، كان يلجأ إلى زراعة الزهور والخضراوات في أوقات فراغه أما.. المغامرات النسائية فكانت تجري بشكل هادئ ودون ضوضاء، كثعبان ينسل تحت التبن، وعلى كل حال فثمة مثل في هذا المجال يقول: موت الفقير، ومغامرات الكبار لا يدري ولا يتكلم بها أحد.

عشية الحرب الإسرائيلية- العربية استدعي موشي دايان إلى وزارة الدفاع، في حزيران 1967، فأقراص الشهد، التي تذوقها ثمن شهرته، كانت من النوع الذي لا ينسى، لذا هرول مسرعاً ملبياً الطلب؛ فإذا بالسبب هو تسلم رئاسة الأركان، عوضاً عن اسحق رابين، المصاب بتسمم من كثرة التدخين، فقام بمهامه الجديدة بكفاءة ونجاح، فضم القسم الشرقي من القدس الذي كان تحت السلطة العربية، وأصبحت المدينة بأسرها ترزح تحت الاحتلال الصهيوني البغيض.

إثر انتصاره وموت لافي أشكول وقد سكر دايان بنشوة النصر، وتوصل إلى القمة، وذاع صيته وتعاظمت شهرته، ظن أنه سيكلف بتشكيل الوزارة، وقد غاب عنه، أن ذلك يزعج العمال ويرعبهم، فخاب ظنه إذ فضوا غولدا مائير عليه على الرغم من مرضها الخطير، ولكن هذه الأخيرة لم يفتها تكريمه، فوضعته في مكانه الأنسب إذ كلفته بوزارة الدفاع، ربما على سبيل التعويض لكنه وعلى الرغم من قبوله المركز الجديد، رأى أن ذلك التعويض جزئي، لا يتناسب ومؤهلاته، وإنجازاته، في خدمة الكيان العبري، فقبع في منزله حزيناً يجرّ خيبة الأمل المريرة.



دايان في بداية النهاية:

في صيف 1967 بعد انتصاره في حرب الأيام الستة، تعرض دايان لحادث كاد يودي بحياته، ففي إحدى تنقيباته الجنونية، عن الكنوز والأشياء الأثرية داخل إحدى المغاور القديمة بالقرب من خرائب أشكلون الكنعانية، فوجئ بانهيار كبير دفن تحته، وبعد كفاح أليم تمكن من إنقاذ نفسه بعد ساعات طويلة بمساعدة رعاة، ساقهم القدر إليه، نقلوه إلى المستشفى، حيث بقي ثلاث أسابيع عاجزاً عن النطق، ولدى عودته إلى منزله كام متمنطقاً بحزام الجص، لازمه لمدة طويلة.

وفي حديث صحفي لا يخلو من المرارة والحنان خصّت به ابنته "يآل" جريدة ستوك الباريسية سنة 1985، عبرت فيه عن قناعتها، بأن الحادث الذي تعرض له والدها، كان بداية انحطاط جسدي، يتفاقم مع الأيام، ولن يتمكن إطلاقاً من العودة إلى سابق عهده من الصحة والنشاط.

وفي حالته الراهنة، قبع دايان في منزله منعزلاً وقد اختار السجن الاختياري حيث لا يكفّ عن الشكوى والتظلم، وكان لا يكاد يستفيق من ضربة على رأسه حتى يصاب بأشد منها؛ مما أنهكه، وحول أيامه إلى جحيم.

فبعد انتصار شقيقته "أقيقا" بالسم سنة 1969 وقد كانت مصابة بنوبات عصبية، تعاودها من حين إلى آخر منذ أمد بعيد، بلغه خبر موت صموئيل والده، مما هدّ كيانه، فلجأ إلى العقاقير المهدئة، من جميع الأنواع والعيارات ففقد صوته ولكنه حافظ على وعيه كاملاً.

وتابعت ابنته تقول: مما أقلق والدتي كثيراً، فطلبت من الأطباء منعه عن تناول العقاقير وابتلاع المسكنات، فاقترب كثيراً من الإدمان، وما كاد يتماثل للشفاء حتى حلت المصيبة العظمى، التي كانت تنتظره منذ بعض الوقت، فكانت بمثابة رصاصة رحمة سددت إلى قلبه.

فزوجته روث طلبت الطلاق، طلبت الطلاق من الرجل الذي خبا نجمه وأصبح شبه معاق، يقبع شاكياً متحسراً على نفسه وماضيه، والذي أصبح مختلفاً تماماً عن موشي إله الحرب، موشي المتغطرس، الذي عرفته منذ خمس وثلاثين سنة فربطت حياتها بحياته.

بناءً على أقوال، حاشية البطل المتعب، فإن حالته تفاقمت، حتى انعكست سلباً على واجباته، كوزير للدفاع، فكانت نصائحه وتوصياته لرئيسة الوزراء غولدا مائير، المنهكة القوى من التقدم بالعمر والمرض تسير من سيء إلى أسوأ، حتى أغرقها بمواقف سياسية راديكالية متطرفة وأصبحت شديدة التصلب في تعاطيها مع العالم العربي، فرفضت كل حوار ورمت كل النصائح وراء ظهرها فيما يتعلق بالأراضي المحتلة، مما عرّض إسرائيل لهجمات وتعديات مبررة من قبل الرأي العام العالمي.

دايان، من جهته أهمل إعادة تطوير وتجديد القدرات والتقنيات الحربية لدى جيشه، إذ كان باعتقاده، أحسن جيوش العالم.

وفي هذا المجال، كتب دايان سنة 1967 قائلا: لقد جئنا إلى بلاد مأهولة من أعراق وطوائف معادية، وبنينا دولة يهودية؛ مما لم يعجب العرب، فحكم علينا أن نعيش حياة عدائية حربية أبدية، وفي مرحلة استرخاء وحنين، تزوج للمرة الثانية في حزيران 1973، ومن الطبيعي أن يتلهى بوضعه الجديد متناسياً واجباته ومهامه الدفاعية وما يدور، وما يقال من حوله.

إذ كان الرئيس أنور السادات قد صرح بأنه سينهض من كبوته وينفض عن بلاده غبار الاستكانة، والقبول بالوضع الراهن، وقد اشترى من الولايات المتحدة قاذفات مياه قوية ومتطورة جداً، تستعمل لإطفاء الحرائق ولكن، كان للمصريين فيها مآرب أخرى، إذ استعملوها لهدم الحائط الرملي المقام، على طول ضفة قناة السويس حيث تحصن خلفه الجنود الإسرائيليون.

وبعد شهور أربعة وفي يوم الغفران، العيد الديني المقدس عند اليهود وهو عطلة رسمية، يسيطر على البلاد في أثنائها، جو من التراخي والكسل، كما أن ربع عدد الجيش يكون في مأذونية، ومؤسسة الاستخبارات السرية الشهيرة التي لم تفشل في يوم من الأيام، كانت نائمة، اقتحم الجيش السوري مراكز وتجمعات الصهاينة في الجولان، فشرذمها، ومزقها، وقتل من قبل وأسر من أسر، محرراً جزءاً حبيباً من الأراضي السورية المقدسة، أما الفصائل المصرية فقد زرعت الضفة الشرقية، من القناة بباصقات اللهب الممهوة، والمدافع البعيدة المدى، ومختلف أنواع الأسلحة، فهدمت الحائط الفاصل بينهم وبين الإسرائيليين، ودكتهم دكاً وأصلتهم نارا، ولا نار الجحيم.

بالعودة إلى بطل صهيون، وفتى إسرائيل المدلل، موشي دايان، كان يحتمل أن يكون مالكاً كل شيء، ما عدا البطولة والإقدام، فقد جلس قبالة غولدا مائير، مشدوهاً، وقد تدلى فكه الأسفل لا يدري ماذا يفعل وقد خانه النطق.

في ذلك السبت الواقع في السادس من تشرين الأول 1973، بينما المدافع العربية يديرها الذي يصم الآذان، تدك المراكز العسكرية الصهيونية فتتطاير أشلاؤها في كل اتجاه، كانت عجوز إسرائيل غولدا تزرع أرض غرفتها ذهابا وإياباً، وهي تصرخ بصوت مبحوح من وقت لآخر: مستحيل يجب أن نعمل شيئاً، أي شيء أليس من علاج؟!

وبعد أن كررت ذلك، عشرات المرات، نطق دايان بذل وانكسار، قائلا: ليس أمامنا سوى ترك ضفة القناة، والتراجع إلى الوراء للتمركز في خط قتالي ثان، فنظرت إليه غولدا، نظرة لا تخلو من الاحتقار والاشمئزاز، ثم ارتمت على كتف "لو كادار" سكرتيرتها الوفية باكية.

فتمتم دايان: أريد أن أنتحر.. وذهب إلى مكتبه ثم عاد يحمل كتاب استقالته متعثراً، إلا أن غولدا، التي ما زالت تجهش بالبكاء أشارت إليه بالخروج، ثم صفقت الباب وراءه فأحدث صوتاً يحاكي صوت أحد المدافع.

ما أن عادت غولدا مائير إلى نفسها، حتى استدعت الجنرال ألعازر، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي فأمسكت بتلابيبه، بكلتا يديها قائلة: إنني أمنحك السلطة المطلقة، افعل شيئاً أي شيء، فدخل دايان، وليس لديه سوى أن يعرض استقالته مجدداً، عوضاً عن القيام بأحد عروض القوة والعضلات، التي جعلت منه بطلاً قومياً، في يوم من الأيام مما جعل حتى "يآل" ابنته التي تحب والدها حتى العبادة، تذهل أمام تصرف والدها.

فقالت إن حرب يوم الغفران فاجأتنا دون دفاع، بينما كبار رجالنا أبطال 1967 عراة، غارقين في بحر الملذات، ومن المعتقد أنها كانت هنا تعني والدها المتزوج حديثاً، وهكذا لم تكن إسرائيل مستعدة لمقاومة الإعصار الذي زعزع الأرض تحت أقدامها، في هذا المجال، وبالنظر لكثافة النيران العربية التي تنصب على إسرائيل قال كبير الحاخامات، في حينه، لا يبدو هذا النهار كيوم الغفران، بل يبدو كأنه يوم الدينونة، وقد فتحت جهنم أبوابها على مصراعيها، ولكن للأسف الشديد، لم تكتمل الفرحة، إذ هلعت الولايات المتحدة على لقيطتها، فعلاً صراخ رئيسها نيكسون وحكومته، وجنّد مئات طائرات الكلاكسي العملاقة، المحملة بالسلاح والذخائر، في رحلات مكوكية إلى إسرائيل، كما أنه حرك جيوشه في جميع أقطار العالم، وجعلها في أقصى درجات الاستنفار، وأعطى أوامره للاسطول السوفياتي من التدخل، ولإجبار الجيوش العربية على التوقف عن توغلها المظفر، في عمق الأراضي العربية المحتلة وتحريرها من رجس الاحتلال الغاشم.

بقرار من مجلس الأمن، الذي التأم على عجلة، ليتلو القرار الذي أعدته الولايات المتحدة مسبقاً، كتلميذ يتلو أمثولته أمثولته أمام أسـتاذه المتسـلط.

توقف العرب عن هجومهم مكرهين، ذلك الهجوم الذي أعده بدقة، بطل العرب التاريخي الرئيس حافظ الأسد بالتنسيق مع الرئيس الداهية، أنور السادات والأسى يحزّ في القلوب وقد ذهبت آمالهم الكبيرة.

أما في إسرائيل فقد هالتهم الهزيمة النكراء واندحار جيشهم الذي طالما رددوا، أنه أفضل جيوش العالم، وإنقاذاً لماء الوجه، شكل الصهاينة لجنة تحقيق (لجنة أغرانات) لدرس أسباب الفشل، وتحديد المسؤولية.

ولكن هذه اللجنة، حرصت على عدم تسوية صفحة، عجوز إسرائيل غولدا مائير وبطلها القومي موشي دايان، فلم يعلنوا رسمياً فشلهما، ومسؤوليتهما، بينما طالت سواهما، عقوبات تفاوتت بين توجيه لوم، أو المناقلات التأديبية والوضع في الاستيداع، وحتى الإعفاء من المسؤولية، فأربعة من كبار ضباط المخابرات ورئيسهم الجنرال صموئيل كونن، أحيلوا إلى الاستيداع في تشرين الثاني 1973، ثم أعيد إلى مركزه بعد سنة؛ ولكن ليس لمدة طويلة إذ عاد، دايان، فأعفاه من مهماته بحجة التقصير في واجباته.

عاد صموئيل كونن إلى افريقيا حيث كان سابقاً يستخرج الماس، وقد صرح في هذا المجال: كان عليّ أن أقتل دايان، فهو الذي لم يستدع الاحتياط في حينه، فإذا ثمة تقصير، فدايان هو المخطئ والمقصر الوحيد، وقد حمّلني نتائج تقصيره، والأكثرية الساحقة من الإسرائيليين، تشاركني الرأي، وبرهاني على ذلك، التهجمات والاستنكارات اللاذعة التي طاولته، حتى بلغت حد المظاهرات الشعبية العارمة التي طالبت بمعاقبته، مما شوه صورته، ومرّغ سمعته بالوحول، وكانت الجماهير الغاضبة تنعته بأقبح النعوت.

لقد نفّس دايان "لقد أفلس" إنه مجرم بحق الوطن، ولكن من جهته، كان يبتلع هذه التهجمات اللاذعة، بغطرسة واشمئزاز، دون أن يعيرها أي اهتمام؛ هذا على الأقل ظاهريا، ولكنه لم يحاول تفسير سلوكه، كما أنه في مذكراته، أغفل ذكر أي شيء عن تلك المرحلة المشينة، لا من قريب، ولا من بعيد، مما يوضح جلياً أنه جبار متكبر، يعبد نفسه، غير مكترث بآراء الآخرين.



دايان المريض وزيراً للخارجية:

بعد أربع سنوات، أثار دايان، موجة جديدة، من الاستنكار والاستهجان، عندنا قبل بأن يصبح وزيراً للأعمال الخارجية في الحكومة الأكثر وطنية، التي شكلها مناحيم بيغن بعد انتصاره الساحق في الانتخابات التشريعية، ففي هذه المرة قام حزب العمال، ونادى بالويل صارخاً: لا للخيانة، ولم يكتف البعض، بهذا الحد من التجريح، إذ قال أحدهم: إن أباه وأخاه، كذلك بن غوريون، يرتجفون في قبورهم، ولكن على عادته لم يكترث للأمر، بل كانت تعلو شفتيه ابتسامة ساخرة.

ماذا يبغي دايان من وراء هذه المغامرة؟ أهي محاولة للهروب إلى الأمام؟ أم لإرسال ستار النسيان على المأساة العسكرية التي جرت فصولها في 1973؟ أو ربما اعتقد أنه سينجح في الدبلوماسية فيعوض عما فاته سابقاً، وذلك لمعرفته التامة بالعرب، وتمكنه من اللغة العربية، ومعرفته التامة، بأدق تعبيرها، ولا عجب في ذلك فقد ترعرع منذ طفولته مع صغار العرب يلعبون ويمرحون سنين طويلة حتى بلوغه سن المراهقة، مما يشكل بنظره عاملاً إيجابياً مهماً، يساعده في أداء مهماته في وزارة الخارجية، وفي بسط جو السلام والتفاهم مع جيرانه.

لكنه كان من الناحية العملية مهندساً يبزً بيغن، كان مهندساً للتقارب الذي حصل بين مصر والكيان العبري، فقد أسهم، بشكل واضح في هذا الاتجاه برحلته التاريخية إلى القدس في تشرين الثاني سنة 1977، وكرس كامل جهوده ودون حساب لإنجاح المحادثات التي جرت بضيافة الرئيس كارتر في مخيم داوود خلال سنتين، والتي لاحظ المراقبون في أثنائها على دايان تدهور حالته الصحية وانحطاط قواه الجسدية، مما جعله يستقيل من حكومة بيغن، بعد التوقيع على معاهدة السلام في واشنطن، سيما وأنه قد أجريت له جراحة لاستئصال ورم سرطاني خبيث في الأمعاء.



يآل دايان تكتب عن أمراض والدها:

كتبت يآل في مذكراتها عن والدها فقالت: لقد بدأت الأعراض المرضية تظهر بوضوح على وجهه وتصرفاته، إثر الانهيار الذي تعرض له في إحدى المغاور، خلال تنقيبه عن الكنوز والآثار التاريخية، فعلى أثر أحداث 1973، حرب يوم الغفران، وحملة التشهير التي استهدفته أصيب بقرحة معوية حادة كانت ضريبة الغيظ المكبوت.

وابتداء من 1975 أصبح عضواً في نادي الأمراض القلبية، فقد أصيب بذبحة قلبية صغيرة، غابت عن أطبائه في حينها، لكن آثارها اكتشفت من قبل الأطباء النمساويين في فينا، حيث أجرى فحوصات إشعاعية، خلال إحدى رحلاته الاستجمامية.

ومن ذلك الحين أصبحت الآلام التي نتجت عن تلك الإصابتين تعاوده بصورة روتينية ومتزامنة، فآلام مبرحة، في الجهاز العصبي بعد ساعات قليلة، من كل وجبة من وجبات الطعام، وضيق وآلام في الصدر عند قيامه بأي مجهود جسماني، حتى لو مشى لدقائق معدودة وكثيراً ما كان يستيقظ ليلاً متألماً وينال منه الأرق، وكان دايان على معرفة تامة بهذه النوبات، ويحسب لها ألف حساب، ومن باب الحيطة امتنع عن تناول القهوة، أو الاقتراب من الكحول، إنما كان يلجـأ إلى تخفيف آلام قرحته، بمادة السيميتادين، وهي مادة فعالة، اعتمدت في معالجة القرح المعوية في الـ 1975، ولكن عكس ذلك ورغم عذابه المرير، في كثير من الأحيان، من الآلام القلبية، لم يكن يتعاطى أياً من العلاجات التي وصفت له، أو يراعى أيا من توصيات أطباء القلب وكبيرهم البروفسور "مرفن غوستمان" الذي كان يعالج في الوقت نفسه مناحيم بيغن.

عندما كان يتعرض لآلام نوبة قلبية حادة- تضيف ابنته- كان يحبس نفسه في الحمام، فيتكئ على يديه، وقد أبعد ما بينهما على الحائط، منتظراً الفرج وانحسار النوبة، وفي حالات نادرة جداً وعلى سبيل المفاخرة، لا الشكوى، كان يفصح عما يصاب به، وكأنه يروي إحدى بطولاته، وقوة احتماله وكان يعلن دوماً عن ثقته التامة، بأن الطبيب لا يزال عاجزاً عن شفاء الانحطاط في الأوعية الدموية من جراء التقدم في العمر، وكل ما يصفه هو علاج سطحي لا يقدم ولا يؤخر، فكان يطرح الأدوية والعقاقير جانباً بصورة مبدئية، حتى عندما يشرحون له، بأن هذه العقاقير تريحه وربما بعدة سنوات، وكان هذا الامتناع عن تعاطي العلاج بنظر الأطباء نوعاً من الانتحار، وكان يجيب على ذلك: إنكم جميعاً، لا تفكرون سوى بالموت، فمن جهتي أنا أسخر بالموت ولا أخافه، فقد واجهته مراراً في ميادين القتال، لست أكثر شجاعة من الآخرين، ولكنني منذ طفولتي وحتى الآن، لم أعرف معنى الفزع والخوف.

وتابعت ابنته روايتها عن تاريخ والدها الصحي فقالت: لدى عودته في حزيران، 1979 من إحدى رحلاته الرسمية إلى الشرق الأقصى، قرر موشي دايان، أن يجري فحوصات متقدمة لجهازه الهضمي، بعدما أصبحت تنتابه أوجاع، لا عهد له بها كما أنه أصبح يلاحظ منذ سنة، بعض المشوحات الدموية في خروجه فتبين للأطباء أنه مصاب بورم معوي خبيث.

لم يفاجأ بذلك إنما تساءل: متى يمكنكم إجراء العملية؟ وبعد ثلاثة أيام قام أطباء مشفى "تل –هاشوفير" باستئصال قطعة كبيرة من معيه "مصرانه" الغليظ وبقي في المستشفى بمدة عشرين يوم عاد بعدها إلى قبيلته في "زهالا".

ثم استقال من حكومة بيغن في تشرين الثاني، بمرارة وخيبة أمل وقد ظنت خاصته، بأنه قد وضع حداً لحياته السياسية، وسيكرس نفسه للبحث عن الآثار ولكنه لم يكن ليكتفي بدور المراقب، فقرر العودة إلى الحياة العامة، ليسمع صوته في الكنيست، وبالتالي ليرشح نفسه للانتخابات المقررة في 1981، مما يسمح له بثمانية عشر شهراً للاستعداد لها.

وكان على يقين تام، من أنه سيعود إلى مركزه في لائحة مرشحي حزب العمال، لكن رفاقه القدامى، صفقوا الباب في وجهه، فلم يكن منه، وهو الذي يحمل في دمائه بذور المقاومة، إلا أن قرر تأليف حزب خاص به، وهو حزب "تالم" فكان نصيبه الفشل إذ لم ينل حزبه سوى مقعدين فقط في البرلمان، أما العامل الرئيسي في فشله، فكان كناية عن وريقات وزعت على المواطنين تشرح حالته الصحية بشكل مفصل (مع قليل من المبالغة دون شك) وقد بلغت الوقاحة بأحدهم حداً جعلته يقول: عن أي برنامج ومستقبل تحدثنا وأنت لم يبق لك من الحياة سوى أيام معدودة.

خلافاً لما اعتقده الأطباء فلم يتركه السرطان، بل أخذ يتمدد وأخذت أعضاؤه تتداعى الواحد تلو الآخر، ثم أجريت له جراحة فتاق ألمّ به، ولكنه لم يتحملها بسبب تفاقم حالة وريده التاجي، فشح نظره بشكل مريع، وقد ارتأى أخصائي النظر، أنه سينتهي إلى العمى.

وقد أفادت يآل، بأن والدها قد عاش أربعة وستين عاماً فقط، وبأن السنتين الأخيرتين، أي الخامسة والسادسة كان يحتضر فيهما، في الحادي عشر من تشرين الأول، أصيب بذبحة قلبية حادة، وخلال ثلاثة أيام كان يرفض الأطباء والانتقال إلى المستشفى، ولكن في الخامس عشر منه استدعيت عربة إسعاف، وفي منتصف الليل، رفض الحمالة، فقام ومشى على قدميه عابراً حديقته الجميلة، التي طالما تغنى بها، واستلقى في العربة وحيداً وفي السادس عشر من تشرين الأول 1981 أصيب وهو في قاعة العناية الفائقة، بذبحة قاتلة أودت به.

في اليوم التالي، وكان قد أوصى بأن تكون جنازته بسيطة، لم تطلق المدافع إنما حمل نعشه ستة من جنرالات الجيش العبري إلا مثواه الأخير، والجدير بالذكر أن آلاف المواطنين تراكضوا واحتلوا جوانب الطرق، وكان معظمهم من العرب، وخصوصاً من الدروز، وروي التربة السوداء المحروقة التي تشبه تماماً التربة التي غمرته في أحد الأيام أثناء تنقيبه عن الكنوز الأثرية في أحد مغاور عازور، وقد مدد بالقرب من شقيقه وشقيقته، وأنهت يآل حديثها قائلة: إن أنس فلن أنسى، التعبير عن الغضب الشديد الذي ارتسم على وجهه، وهو يسلم الروح.

-------------------------------------------------
اضغط هنا للمشاهدة المقدمة والجزء الثانى

STAR
النائب الثاني للمشرف العام
النائب الثاني للمشرف العام

ذكر
عدد المشاركات : 114821
العمر : 31
رقم العضوية : 31
قوة التقييم : 186
تاريخ التسجيل : 08/03/2009

http://tamimi.own0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مرضى حكموا العالم (موشي دايان MOSHE DAYAN) الجزء3

مُساهمة من طرف زهرة اللوتس في 2011-12-19, 10:34 am

شكرا للموضوع الرائع والمتميز..وفقكم الله

-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~-~
لحظة الوداع من أصعب اللحظات على البشر .. ولكن ما باليد حيله
وداعا ... لك ايها المنتدى الغالي..وداعا ... لكم يا أعضاء منتديات عيت ارفاد التميمي
وداعا ... لكل من اسعدته ..وداعا ... لكل من احزنته..وداعا ... لكل من أحبني
وداعا ... لكل من كرهني ..وداعا ... لكل من كنت ضيفا خفيفا عليه ..
وداعا ... لكل من كنت ضيفا ثقيلا عليه ..وداعا ... وكلي ألم لفراقكم
لأنكم أفضل من إستقبلني ..وداعا ... وكلي حزن لأنكم خير من شرفني
وداعا ... واجعلوا ايامي التي لم تعجبكم في طي النسيان ..فقط تذكروني بينكم!!
وداعا ... واستودعكــــــــــم الله الذي لا تضيع ودائـــــــــــــعه
اتمني لكم اوقات سعيد
واتمني التقدم لهذا المنتدى الرائع


زهرة اللوتس
إداري
إداري

انثى
عدد المشاركات : 124527
العمر : 35
رقم العضوية : 2346
قوة التقييم : 157
تاريخ التسجيل : 30/06/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى